عاداتنا، وتلبسنا قشورا زائفًة تسمّى المدنية!! ثم جاءت النهضة العلمية الإسلامية الحاضرة، وقد نَفخ في روحها رجالٌ كانوا نبراس عصرهم، وفي مقدمتهم جمال الدين الأفغانيُّ [1] ، ومحمد عبده، ومحمد رشيد رضا، ووضع أصولها عمليّا، وأرّسى قواعدها، ووّثق بنيانها: والدي محمد شاكر - رضي الله عنهم - م جميعا؛ فاستيقظت العقول، وثارت النفوس على التقليد، ونبغ في العلماء من يذهب إلى وجوب الاجتهاد) [2] .
وهكذا فرض الخطاب الجديد نفسه لا بقوة الحجة والبرهان، بل بقوة السيف والسنان للأنظمة التي صنعها الاستعمار على عينه، ونفخ فيها من روحه، ورضعت من لبانه، ومدها بقوته، فلم يخرج الاستعمار إلا بعد أن شكل خطابا سياسيا شرعيا، وإسلاما جديدا لا شريعة إسلامية فيه، ولا دولة تحكم به وتقوم على حمايته، ولا جهاد يذود عن حياض الأمة ودينها وحقوقها ومصالحها، ولا حرية ولا كرامة لشعوبها، فتم تعميم تجربة الانقلاب العسكري في تركيا على أقاليم الخلافة الإسلامية في جميع أقطار العالم الإسلامي، فإذا جميع الانقلابات كأنما خرجت من جحر واحد، وشربت من إناء واحد، فإذا كلها على اختلاف أنواعها تجمع على التمسك بهذا الخطاب السياسي المبدل، وتجيش له العلماء، وتسخر له جميع وسائل التربية والتعليم والإعلام، حتى شب عليه الصغير، وهرم عليه الكبير، وحتى لا يكاد يجد من أكثر علماء الأمة من رفض أو نكير؟!
وقد كان الشهيد سيد قطب - رحمه الله - من أشهر من تصدى لهذا الخطاب قبل الثورة كما في كتابه (معركة الإسلام والرأسمالية) حيث يقول محللا الأزمة التي تعيشها الأمة وأسبابها: (إن الإسلام لا يجوز أن يحكم! هذه رغبة العالم الصليبي، وعلينا نحن أن نذعن، وأن نصدق ما يوحي إلينا به الصليبيون في الشرق والغرب، في سذاجة وغفلة، باسم التحرر والثقافة! ألا من للأقزام، بمن يقنعهم أنهم ليسوا بعد إلا الأقزام؟! يصعب الفصل بين عداء الصليبية للإسلام وعداء الاستعمار؛ فكلاهما يغذي الآخر ويسنده ويبرره، والإسلام عقيدة استعلاء، تكافح الاستعمار حين تستيقظ في نفوس أصحابها، ورجعة الحكم إلى الإسلام توقظ هذه الروح بشدة، فتفسد على الاستعمار خطة الاستغلال والاستذلال. إن الإسلام يحرم على أتباعه أن يخضعوا لأي حكم أجنبي، بل لأي تشريع لا يتفق مع شريعة الإسلام، وتلك عقبة في طريق الاستعمار كؤود، والمستعمرون ليسوا في غفلة مثقفينا الفضلاء، ولا في بلاهة حكامنا النابغين! إنهم يقيمون استعمارهم على دراسات كاملة متشعبة لكل مقومات الشعوب التي يستعمرونها، كي يقتلوا بذور المقاومة، أو يتفادوها أو يداروها. وقد قام الاستشراق
(1) - انظر هذا التمجيد من العلامة المحدث أحمد شاكر لرواد النهضة الإسلامية وهو أعلم بهم لمعاصرته لهم؛ لتعرف مدى الظلم الذي لحق بهم من أجيال الصحوة التي لم تعرف لهم قدرهم؟!
(2) - الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين ص 9/ 101