كما جاء في كتب الأحكام السلطانية التزاما منها بالمذهب الحنبلي فجاءت دولة على نمط الدولة الأموية أو العباسية، فظلت الإمامة وراثة، وظلت الشورى غائبة أو محصورة في طبقة محددة، وظلت الأمة بعيدة عن مجريات الأحداث، غائبة عما يجري حولها؛ ولهذا سرعان ما طرأ عليها الضعف، وسقطت عند أول مواجهة مع عدو خارجي، وتخلى الناس عنها على خلاف ما حدث في عهد أبي بكر الصديق في حروب الردة.
ولو قامت هذه الحركة الإصلاحية بتجديد الخطاب السياسي وإحياء سنن الخلفاء الراشدين في باب الإمامة؛ من جعل الأمر شورى بين المسلمين ليختاروا من يرضونه، وإشراك الأمة في جميع شئونها، وعدم قطع أمر دونها، وجعل بيت المال تحت إشرافها ومراقبتها ... إلخ، والاقتباس من الأمم الأخرى ما فيه صلاح شئونها كما فعل عمر: لكان قيام هذه الحركة هو بداية عصر النهضة الإسلامية الجديدة، ولكانت نهضة شمولية لجميع مجالات الحياة، غير أن ذلك لم يحدث، فلم يكن لها من الأثر السياسي والفكري والحضاري ما كان لمثيلاتها من الحركات الاجتماعية الكبرى في العالم في تلك الفترة كالثورة الفرنسية في أوربا.
هذا إلا أن الأوضاع في العالم الإسلامي لم تصل إلى ما وصل إليه الحال في أوربا، من الاضطهاد الديني بين الطوائف المسيحية إلى حد الاستئصال، كما بين البرتستانت والكاثوليك، ولم يصل انتهاك حقوق الإنسان فيها إلى ما وصل إليه الحال هناك؛ إذ ظل الخطاب السياسي المؤول في المرحلة الثانية محافظا على الحد الأدنى من الحقوق والحريات التي صانتها الشريعة؛ كما أن استقلال السلطة القضائية والتشريعية المتمثلة بالقضاء والفقهاء، حال دون شيوع الاستبداد والظلم على النحو الذي شاع في أوربا؛ إذ ظل القضاء بين الناس قائما على الشريعة، فكانت حقوق الأفراد وحرياتهم محفوظة.
وقد تميزت هذه المرحلة بظاهرة (المستبد العادل) التي تحتاج إلى دراسة تفصيلية.
لقد برز في الشرق الإسلامي ظاهرة (المستبد العادل) فلم يحل الاستبداد السياسي والاستئثار بالسلطة دون تحقيق العدل، وصيانة حقوق الأفراد، وحرياتهم، ووجود الأحزاب الفكرية السياسية المعارضة، التي لم يتعرض لها أحد ما لم تستخدم القوة لإسقاط السلطة.
قال ابن جرير الطبري: (حَتَّى قدم مُعَاوِيَة، وبعث الْمُغِيرَة بن شُعْبَةَ واليا عَلَى الْكُوفَة، فأحب العافية، وأحسن فِي الناس السيرة، ولم يفتش أهل الأهواء عن أهوائهم، وَكَانَ يؤتى فيقال لَهُ: إن فلانا يرى رأي الشيعة، وإن فلانا يرى رأي الخوارج وَكَانَ يقول: قضى اللَّه أَلا تزالون مختلفين، وسيحكم اللَّه بين عباده فِيمَا كَانُوا فِيهِ يختلفون فأمنه الناس، وكانت الخوارج يلقى بعضهم بعضا، ويتذاكرون مكان إخوانهم بالنهروان ويرون أن فِي الإقامة الغبن والوكف، وأن فِي جهاد أهل القبلة الفضل والأجر .. ) [1] .
(1) - تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري (5/ 174)