فهرس الكتاب

الصفحة 220 من 232

لقد أدى تقاعس الأمة عن القيام بدورها إلى سقوطها تحت الاستعمار الجديد اليوم، وعادت كما كان عليه الحال يوم أن دخل الاستعمار الغربي قبل أكثر من قرن.

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيية رحمه الله: (ولما كان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله من الابتلاء والمحن ما يعرض به المرء للفتنة، صار في الناس من يتعلل لترك ما وجب عليه من ذلك بأنه يطلب السلامة من الفتنة، كما قال عن المنافقين: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} [التوبة: 49] (سورة التوبة: من الآية 49) . وقد ذكر في التفسير أنها نزلت في الجد بن قيس لما أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتجهز لغزو الروم - وأظنه قال: «هل لك في نساء بني الأصفر» ؟ - فقال يا رسول الله: إني رجل لا أصبر على النساء، وإني أخاف الفتنة بنساء بني الأصفر، فأذن لي ولا تفتني، وهذا الجد هو الذي تخلف عن بيعة الرضوان تحت الشجرة، واستتر بجمل أحمر، وجاء فيه الحديث: «إن كلهم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر» فأنزل الله تعالى فيه: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} [التوبة: 49] (سورة التوبة: من الآية 49) .

يقول: إنه طلب القعود ليسلم من فتنة النساء، فلا يفتن بهن، فيحتاج إلى الاحتراز من المحظور ومجاهدة نفسه عنه فيتعذب بذلك أو يواقعه فيأثم، فإن من رأى الصور الجميلة وأحبها فإن لم يتمكن منها إما لتحريم الشارع وإما للعجز عنها يعذب قلبه، وإن قدر عليها وفعل المحظور هلك، وفي الحلال من ذلك من معالجة النساء ما فيه بلاء، فهذا وجه قوله: {وَلَا تَفْتِنِّي} [التوبة: 49] (سورة التوبة: من الآية 49) قال الله تعالى: {أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} [التوبة: 49] (سورة التوبة: من الآية 49) . يقول نفس إعراضه عن الجهاد الواجب ونكوله عنه وضعف إيمانه ومرض قلبه الذي زين له ترك الجهاد: فتنة عظيمة قد سقط فيها، فكيف يطلب التخلص من فتنة صغيرة لم تصبه بوقوعه في فتنة عظيمة قد أصابته؛ والله يقول: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39] (سورة الأنفال: من الآية 39) . فمن ترك القتال الذي أمر الله به لئلا تكون فتنة: فهو في الفتنة ساقط بما وقع فيه من ريب قلبه ومرض فؤاده، وتركه ما أمر الله به من الجهاد.) [1] .

وقد جاء الاستعمار الجديد وفق مخطط بقصد القضاء على الإسلام في عقر داره بدعوى مكافحة الإرهاب، وللسيطرة على الأمة وثرواتها بعد تمزيقها وتشرذمها، وإن على الحركة الإسلامية أن تعمل سرا وعلانية من أجل الوصول إلى هدفها؛ كما كان عليه حال الدعوة النبوية في مكة في بداياتها، حيث كانت سرية للظروف المحيطة بها؛ كما عليها أن تسعى إلى تحقيق أهدافها بالطرق السلمية إن تيسر أو الطرق الثورية إن تعذر، كما أجاز ذلك أكثر علماء الأمة في الصدر الأول لمواجهة طغيان السلطة وانحرافها، وأي فتنة أشد من ظهور أعداء

(1) - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابن تيمية (ص: 49)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت