دون نظر إلى ضرورة قيام مثل هذه الحركات التي تحول بين السلطة وبين الظلم والاستبداد والانحراف الذي قد يؤدي إلى سقوط الأمة كلها تحت سيطرة عدوها الخارجي!!
وفعلا هذا ما حصل! فلما وقع المحذور إذا بالأمة لا تملك القدرة على الدفاع عن نفسها بعد أن تم تحطيمها واستلابها حقها وبعد أن أصبحت غائبة تعيش على هامش أحداث الواقع تنتظر من السلطة أن تقوم عنها بكل شيء حتى في تقويمها نفسها ونقدها لسياستها!!
لقد كان أخطر ما في هذا الخطاب أنه قطع الطريق حتى على من قصد الإصلاح من الخلفاء والأمراء؛ إذ لو قيل أن تكون الإمامة شورى وقيل بحرمة توريثها وبوجوب مشاورة الأمة وعدم قطع أمر دونها .. إلخ لربما جاء من الخلفاء من يدفعه إيمانه وصلاحه إلى العمل بذلك وترسيخه لتبدأ الأمة حياتها من جديد كما كان عليه حالها في عهد الخلفاء الراشدين في شئونهم السياسية؛ غير أن هذا الخطاب المؤول أوّل النصوص بما يتوافق مع الواقع ولم يعمل على حمل الواقع على ما جاءت به النصوص؛ فصار الخلفاء الصالحون والأمراء المخلصون إذا جاءوا لا يجدون ما يجب عليهم سوى العدل فلا يلتفتون إلى ما سوى ذلك من أصول الخطاب السياسي القرآني والنبوي والراشدي الذي لم يبق من العلماء في عصورهم من يدعو إليه أو يبشر الناس به؛ بل يجدون خطابا مؤولا يرى مشاورة الأمة في شئونها أمرا مستحبا؛ ورد الأمر إليها أمرًا مندوبا لا فرضا واجبا! [1]
ج: أسباب كثيرة أهمها:
إن الأسباب التي أدت إلى شيوع هذا الخطاب المؤول كثيرة جدا أهمها:
أولا: نظر أصحاب هذا الخطاب إلى حوادث التاريخ نظرة جزئية لا نظرة كلية؛ فظنوا أن كل خروج لم يترتب عليه سوى الفساد! قال ابن القيم: (وَهَذَا كَالْإِنْكَارِ عَلَى الْمُلُوكِ وَالْوُلَاةِ بِالْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ؛ فَإِنَّهُ أَسَاسُ كُلِّ شَرٍّ وَفِتْنَةٍ إلَى آخِرِ الدَّهْرِ) ! [2]
وهذه مبالغة منه لا دليل عليها بل هي نفثة فارسية كسروية رائجة في كتب الآداب السلطانية التي تجعل من السلطان نصف إله!!!
ولم ينظروا إلى الحوادث التي ترتب عليها كثير من الصلاح؛ فقد خرج ابن الزبير على يزيد وكان عهده خيرا من عهد يزيد، وخرج العباسيون على بني أمية وكان عصرهم خيرا من عصر بني أمية في الجملة [3] ،وأسقط صلاح الدين دولة الفاطميين وكان عصره خيرا من عصرهم، وجاء العثمانيون وكانوا خيرا من المماليك وحوادث التاريخ كثيرة جدا؛ بل هذا تاريخ شعوب العالم كله يؤكد عدم صحة هذه النظرية؛ وهذه سنن اجتماعية لا فرق فيها بين
(1) - تهذيب تحرير الإنسان وتجريد الطغيان (ص: 435)
(2) - الحسبة - جامعة المدينة (ص: 176) وإعلام الموقعين عن رب العالمين (3/ 12)
(3) - يقصد عصر بني أمية الأخير وإلا فقد كان بنو أمية خيرا ممن جاء بعدهم في الجملة بلا ريب