فِي غَيْرِ سَفَهٍ وَلَا سَرَفٍ فَاقْضِ عَنْهُ»، فَكَتَبَ إِلَيْهِ، إِنِّي قَدْ قَضَيْتُ عَنْهُمْ، وَبَقِيَ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ مَالٌ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَنِ «انْظُرْ كُلَّ بِكْرٍ لَيْسَ لَهُ مَالٌ فَشَاءَ أَنْ تُزَوِّجَهُ فَزَوِّجْهُ وَأَصْدِقْ عَنْهُ» ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنِّي قَدْ زَوَّجْتُ كُلَّ مَنْ وَجَدْتُ، وَقَدْ بَقِيَ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ مَالٌ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ بَعْدَ مَخْرَجِ هَذَا: أَنِ «انْظُرْ مَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ فَضَعُفَ عَنْ أَرْضِهِ فَأَسْلِفْهُ مَا يَقْوَى بِهِ عَلَى عَمَلِ أَرْضِهِ، فَإِنَّا لَا نُرِيدُهُمُ لِعَامٍ وَلَا لِعَامَيْنِ» [1]
إن كل ما سبق ذكره يؤكد مبدأ العدل في القضية والقسم بالسوية، وأن لبيت المال حرمة، وأن للأمة حق محاسبة الإمام على ما صرفه من بيت المال، كما أنها هي التي تفرض له ما يحتاجه وتقدره له، وأن لها حق الاعتراض على سياسته المالية ومحاسبته عند انحرافه؛ إذ بيت مال المسلمين للمسلمين لا للإمام، وهذا بإجماع الصحابة - - رضي الله عنهم - م - وإجماع أهل الإسلام.
إضاءة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية [2] : وَلَيْسَ لِوُلَاةِ الْأَمْوَالِ أَنْ يُقَسِّمُوهَا بِحَسَبِ أَهْوَائِهِمْ، كَمَا يُقَسِّمُ الْمَالِكُ مِلْكَهُ، فَإِنَّمَا هُمْ أُمَنَاءُ وَنُوَّابٌ وَوُكَلَاءُ، لَيْسُوا مُلَّاكًا، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنهم: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَا أُعْطِيكُمْ وَلاَ أَمْنَعُكُمْ، إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ» [3]
لقد رسخ الخطاب السياسي الشرعي المترل مبدأ كرامة الإنسان، وأكد ضرورة حماية الحقوق والحريات والإنسانية؛ كما جاء في القرآن والسنة، ومن ذلك:
وحمايته من الاعتداء، مسلما كان أو غير مسلم، فقد حرّم القرآن الاعتداء على النفس الإنسانية تحريما قاطعا إلا في: حالة الجزاء، ورد الاعتداء ولهذا قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 151] {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء: 33]
وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق من السبع الموبقات فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنهم -، عَنِ النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ» ،قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاَتِ» [4] ، وجعل جزاء قتل النفس
(1) - الأموال للقاسم بن سلام (ص: 320) (625) فيه جهالة
(2) - السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية ط 2 (ص: 43)
(3) - صحيح البخاري (4/ 85) (3117)
(4) - صحيح البخاري (4/ 10) (2766) وصحيح مسلم (1/ 92) 145 - (89)
[ش (اجتنبوا) ابتعدوا. (الموبقات) المهلكات. (السحر) هو في اللغة عبارة عما لطف وخفي سببه وبمعنى صرف الشيء عن وجهه ويستعمل بمعنى الخداع. والمراد هنا ما يفعله المشعوذون من تخييلات وتمويه تأخذ أبصار المشاهدين وتوهمهم الإتيان بحقيقة أو تغييرها. (بالحق) كالقتل قصاصا. (التولي يوم الزحف) الفرار عن القتال يوم ملاقاة الكفار والزحف في الأصل الجماعة الذين يزحفون إلى العدو أي يمشون إليهم بمشقة مأخوذ من زحف الصبي إذا مشى على مقعدته. (قذف) هو الاتهام والرمي بالزنا. (المحصنات) جمع محصنة وهي العفيفة التي حفظت فرجها وصانها الله من الزنا. (الغافلات) البريئات اللواتي لا يفطن إلى ما رمين به من الفجور]