ظلما وعدوانا"القصاص"حماية للنفس البشرية من الاعتداء، إذ في القصاص حياة للجميع كما قال تعالى:
{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179] [1]
وقد حددت الشريعة الجرائم التي حدها القتل، وحصرتها بصور محددة لا يمكن تجاوزها، فلا تستطيع السلطة في الدولة الإسلامية أن تتجاوز هذه الصور؛ فلا يمكن قتل إنسان لمعارضته للسلطة، أو حتى محاولته الاعتداء على رجال السلطة دون القتل، ولهذا لم تعرف الدولة الإسلامية في المرحلة الأولى من الخطاب السياسي الممثل لتعاليم الدين المترل أي حادثة قتل سياسي لمن يعارض السلطة؛ وقد رفض النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتعرض للمعارضين له داخل المدينة، ممن كانوا يتظاهرون بالإسلام وهم يحرضون على إخراجه من المدينة. فعن جَابِرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - قَالَ كُنَّا فِى غَزَاةٍ - قَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً فِى جَيْشٍ - فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ الأَنْصَارِىُّ يَا لَلأَنْصَارِ. وَقَالَ الْمُهَاجِرِىُّ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ. فَسَمِعَ ذَاكَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ «مَا بَالُ دَعْوَى جَاهِلِيَّةٍ» قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ. فَقَالَ «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ» . فَسَمِعَ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَىٍّ فَقَالَ فَعَلُوهَا، أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ. فَبَلَغَ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِى أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - «دَعْهُ لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» وَكَانَتِ الأَنْصَارُ أَكْثَرَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، ثُمَّ إِنَّ الْمُهَاجِرِينَ كَثُرُوا بَعْدُ. [2]
وعَنْ أَبِي بَرْزَةَ قَالَ: تَغَيَّظَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى رَجُلٍ، فَقُلْتُ: مَنْ هُوَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ قَالَ: لِمَ؟ قُلْتُ: لِأَضْرِبَ عُنُقَهُ إِنْ أَمَرْتَنِي بِذَلِكَ قَالَ: أَوَكُنْتَ فَاعِلًا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ:"فَوَاللهِ - يَعْنِي ثُمَّ ذَكَرَ كَلِمَةً مَعْنَاهَا: لَأَذْهَبَ عِظَمُ كَلِمَتِيَ الَّتِي قُلْتُ غَضَبَهُ"،ثُمَّ قَالَ: مَا كَانَتْ لِأَحَدٍ بَعْدَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -" [3] "
(1) - فِي القِصَاصِ رَاحَةُ البَالِ، وَصِيَانَةُ النَّاسِ مِنِ اعتِدَاءِ بَعْضِهمْ عَلَى بَعْضِهِم الآخَرِ، لأَنَّ مَعْرِفَةَ النَّاسِ أَنَّ مَنْ قَتَلَ يُعَاقَبُ بِالقَتْلِ، تَحْمِلُهُمْ عَلَى الارتِداعِ عَنِ القَتْلِ، فَتُصَانُ حَيَاةُ النَّاسِ، وَحَيَاةُ مَنْ يُفَكِّرُ بِالقَتْلِ. وَخَصَّ اللهُ تَعَالَى بِالنِّداءِ أَرْبَابَ العُقُولِ لِلدَّلاَلَةِ عَلَى أَنَّ الذِينَ يَفْهَمُونَ قِيمَةَ الحَيَاةِ، وَيُحَافِظُونَ عَلَيهَا هُمُ العُقَلاَءُ. وَإِذا تَدَبَّرَ أُولًو الأَلبَابِ الحِكْمَةَ مِنْ شَرْعِ القِصَاصِ حَمَلَهُمْ ذلِكَ عَلَى اتِّقَاءِ الاعتِدَاءِ، وَالكَفِّ عَنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ. أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 186، بترقيم الشاملة آليا)
(2) - تهذيب صحيح مسلم- علي بن نايف الشحود (ص: 920) (2584) وصحيح البخاري (6/ 154) (4907)
(3) - السنن الكبرى للنسائي (3/ 446) (3521) صحيح