فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 232

قِرَاءَتِكَ، وَهَذَا يَكَادُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا، قُلْنَا: فَمَا تَرَى؟ قَالَ: نَرَى أَنْ نَجْمَعَ النَّاسَ عَلَى مُصْحَفٍ وَاحِدٍ، فَلَا تَكُونُ فُرْقَةٌ، وَلَا يَكُونُ اخْتِلَافٌ، قُلْنَا: فَنِعْمَ مَا رَأَيْتَ قَالَ: فَقِيلَ: أَيُّ النَّاسِ أَفْصَحُ، وَأَيُّ النَّاسِ أَقْرَأُ؟ قَالُوا: أَفْصَحُ النَّاسِ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، وَأَقْرَأُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، فَقَالَ: لِيَكْتُبْ أَحَدُهُمَا وَيُمْلِ الْآخَرُ فَفَعَلَا وَجُمِعَ النَّاسُ عَلَى مُصْحَفٍ"قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: وَاللَّهِ لَوْ وُلِّيتُ لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي فَعَلَ" [1] .

وقد قال علي - رضي الله عنهم - بعد أن جاءه المهاجرون والأنصار يريدون بيعته (لَا أفعل إِلَّا عَن ملإ وشورى) [2] .

ولم تكن الشورى محصورة في قوم دون قوم، بل كان كل مسلم يحضر المسجد يشارك في الإدلاء برأيه، رجلا كان أو امرأة، كبيرا كان أو صغيرا، ولم يكن اشتراط الشورى والرضا قاصرا على المسلمين، بل أيضا يشترط رضا عامة غير المسلمين، عند عقد العقود بينهم وبين المسلمين.

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ مَدِينَةٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَاقَدَ رُؤَسَاؤُهُمُ الْمُسْلِمِينَ عَقْدًا، وَصَالَحُوهُمْ عَلَى صُلْحٍ، فَإِنَّ الْأَخْذَ بِالثِّقَةِ وَالِاحْتِيَاطِ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ مَاضِيًا عَلَى الْعَوَامِّ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا رَاضِينَ بِهِ [3]

فكما للأمة الحق في اختيار الإمام، ومشاركته الرأي، وحق خلعه، فكذا لها الحق في نقده و مناصحته والاعتراض على سياسته، فالحرية السياسية إحدى الأسس التي قام عليها الخطاب السياسي في هذه المرحلة التي تمثل تعاليم الدين المترل، وعهد الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم - م وقد أرسى القرآن مبدأ: {لا إكراه في الدين} ليؤكد مبدأ الحرية بجميع صورها، فإذا كان الله عز وجل لا يكره عباده على الإيمان به وقد تجلت الحرية في أوضح صورها في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وطاعته، فكيف يتصور أن يكره عباده على الخضوع والطاعة ُ كرها لغيره من البشر؟!

وهذا معنى كلمة (لا إله إلا الله) فإن الله وحده هو الذي له الألوهية، ثم الخلق بعد ذلك بشر لا طاعة لأحد على أحد لا بما كان طاعة لله عز وجل؛ ولهذا جاءت النصوص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لتحصر الطاعة بطاعة الله عز وجل واتباع رسوله، كما قال - صلى الله عليه وسلم - «لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى» [4]

وقال:"لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ" [5]

وعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» [6]

(1) - تفسير القرطبي (1/ 54) والإبانة الكبرى لابن بطة (8/ 411) والمصاحف لابن أبي داود (ص: 97) صحيح

(2) - الثقات لابن حبان (2/ 267)

(3) - الأموال للقاسم بن سلام (ص: 231)

(4) - الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (5/ 347) (2919) صحيح

(5) - المسند الموضوعي الجامع للكتب العشرة (3/ 353) (خ) 7257 و (م) 39 - (1840)

(6) - المفصل في فقه الجهاد ط 4 (ص: 1562) والمعجم الكبير للطبراني (18/ 170) (381) صحيح لغيره

وقال البغوي:"اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَا يَامُرُ بِهِ الْوُلاةُ مِنَ الْعُقُوبَاتِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ: مَا أَمَرَ بِهِ الْوُلاةُ مِنْ ذَلِكَ غَيْرَهُمْ يَسَعُهُمْ أَنْ يَفْعَلُوهُ، فِيمَا كَانَتْ وِلايَتُهُ إِلَيْهِمْ."

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لَا يَسَعُ الْمَامُورُ أَنْ يَفْعَلَهُ حَتَّى يَكُونَ الَّذِي يَامُرُهُ عَدلا، وَحَتَّى يَشْهَدَ عَدْلٌ سِوَاهُ عَلَى أَنَّ عَلَى الْمَامُورِ ذَلِكَ، وَفِي الزِّنَا حَتَّى يَشْهَدَ مَعَهُ ثَلاثَةٌ سِوَاهُ.

وَحُكِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ هُبَيْرَةَ كَانَ عَلَى الْعِرَاقِ، قَالَ لِعِدَّةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ، مِنْهُمُ الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنيِنَ يَكْتُبُ إِلَيَّ فِي أُمُورٍ أَعْمَلُ بِهَا فَمَا تَرَيَانِ؟ قَالَ الشَّعْبِيُّ: أَنْتَ مَامُورٌ، وَالتَّبْعَةُ عَلَى آمِرِكَ.

فَقَالَ لِلْحَسَنِ: مَا تَقُولُ؟ قَالَ: قَدْ قَالَ هَذَا، قَالَ: قُلْ، قَالَ: اتَّقِ اللَّهَ يَا عُمَرُ، فَكَأَنَّكَ بِمَلَكٍ قَدْ أَتَاكَ، فَاسْتَنْزَلَكَ عَنْ سَرِيرِكِ هَذَا، فَأَخْرَجَكَ مِنْ سَعَةِ قَصْرِكَ إِلَى ضِيقِ قَبْرِكَ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَعْرِضَ لِلَّهِ بِالْمَعَاصِي، فَإِنَّهُ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ.

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ يَتَغَيَّظُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقِيلَ: إِنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَسُبُّ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ: قُلْتُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، مَنْ هَذَا الَّذِي تَتَغَيَّظُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: فَلِمَ تَسْأَلُ عَنْهُ؟ قُلْتُ: لأَضْرِبَ عُنُقَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لأَبِي بَرْزَةَ: لَوْ قُلْتُ لَكَ ذَلِكَ أَكُنْتَ تَفْعَلُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: مَا كَانَ ذَلِكَ لأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -.فَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَا، وَهُوَ أَنَّ أَحَدًا لَا يجَبُ طَاعَتُهُ فِي قَتْلِ مُسْلِمٍ إِلا بَعْدَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ حَقٌّ إِلا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،فَإِنَّهُ لَا يَامُرَ إِلا بِحَقٍّ، وَلا يَحْكُمُ إِلا بِعَدْلٍ، وَقَدْ يُتَأَوَّلُ هَذَا أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَتْلَ فِي سَبِّ أَحَدٍ إِلا فِي سَبِّ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -.شرح السنة للبغوي (10/ 44) والمهذب في فقه السياسة الشرعية (ص: 526)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت