فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 232

الفصل الثالث

المرحلة الثالثة: الخطاب السياسي الشرعي المبدل من سنة 1350 هـ إلى اليوم؟

إذا كان الخطاب المؤول في المرحلة الثانية قد حافظ على بعض مبادئ الخطاب المترل - كإقامة الملة بتحكيم الشريعة وصيانتها، وحماية الأمة بإقامة الجهاد، والذود عنها، والمحافظة على وظيفة الخلافة حتى وإن كانت صورية لكونها رمزا لوحدة الأمة فإن الخطاب في المرحلة الثالثة قد تجاوز ذلك كله، وبدأ التراجع حتى عن هذه المبادئ أيضا تدريجيا، حتى بلغ الانحراف ذروته في أواخر العصر العثماني باستجلاب القوانين الوضعية من أوربا، ثم بوقوع الأمة الإسلامية كلها تحت الاستعمار الغربي، حيث تمخض ذلك عن ولادة الخطاب السياسي الشرعي المبدل، بظهور كتاب الشيخ علي عبد الرازق (الإسلام وأصول الحكم) ثم بتأييد من شيخ الأزهر الشيخ المراغي ليتم إضفاء الشرعية على هذا الخطاب الجديد الداعي إلى إلغاء الخلافة، وإلغاء القضاء الإسلامي، بدعوى أن الإسلام لم يأت بأصول للحكم وسياسة الأمة؟!

ومع مواجهة علماء الأمة آنذاك لهذا الكتاب وما جاء فيه من أفكار، إلا أن الخطاب الذي ورد فيه، هو الخطاب الذي فرض نفسه على أرض الواقع، لتقوم دول قومية لا تؤمن بالوحدة الإسلامية؟! وأنظمة علمانية لا تؤمن بالشريعة الإسلامية ولا ترى وجوب تطبيقها؟! ولا ترى وجوب الجهاد من أجل حماية الأمة والمّلة؟!

وأصبح هذا الثالوث (الخلافة الشريعة الجهاد) المحظور على الأمة الإسلامية منذ دخول الاستعمار من أبرز مبادئ هذا الخطاب المبدل، الذي لم يكتف بكل هذا الانحراف والتراجع عما بقي من مبادئ في الخطاب المؤول، بل أضفى الشرعية على هذا الخطاب السياسي الجديد باسم الدين؟!

لقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى بدايات هذا الانحراف فقال: (وَهَذَا كَمَا يُوجَدُ فِي كَثِيرٍ مِنْ خِطَابِ بَعْضِ أَتْبَاعِ الْكُوفِيِّينَ وَفِي تَصَانِيفِهِمْ إذَا احْتَجَّ عَلَيْهِمْ مُحْتَجٌّ بِمَنْ قَتَلَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَوْ أَمَرَ بِقَتْلِهِ؛ كَقَتْلِهِ الْيَهُودِيَّ الَّذِي رَضَّ رَأْسَ الْجَارِيَةِ وَكَإِهْدَارِهِ لِدَمِ السَّابَّةِ الَّتِي سَبَّتْهُ وَكَانَتْ مُعَاهَدَةً وَكَأَمْرِهِ بِقَتْلِ اللُّوطِيِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ. قَالُوا: هَذَا يَعْمَلُهُ سِيَاسَةً فَيُقَالُ. لَهُمْ: هَذِهِ السِّيَاسَةُ: إنْ قُلْتُمْ هِيَ مَشْرُوعَةٌ لَنَا فَهِيَ حَقٌّ؛ وَهِيَ سِيَاسَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَإِنْ قُلْتُمْ: لَيْسَتْ مَشْرُوعَةً لَنَا فَهَذِهِ مُخَالِفَةٌ لِلسُّنَّةِ. ثُمَّ قَوْلُ الْقَائِلِ بَعْدَ هَذَا سِيَاسَةٌ: إمَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّ النَّاسَ يُسَاسُونَ بِشَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ أَمْ هَذِهِ السِّيَاسَةُ مِنْ غَيْرِ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ. فَإِنْ قِيلَ بِالْأَوَّلِ فَذَلِكَ مِنْ الدِّينِ وَإِنْ قِيلَ بِالثَّانِي فَهُوَ الْخَطَأُ. وَلَكِنَّ مَنْشَأَ هَذَا الْخَطَأِ أَنَّ مَذْهَبَ الْكُوفِيِّينَ فِيهِ تَقْصِيرٌ عَنْ مَعْرِفَةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت