فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 232

وعَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: كَتَبَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ إِلَى عُثْمَانَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكَ بَعَثْتَ قَوْمًا لِيَقُومُوا بِضَرَرِكَ , وَإِنَّهُمْ يُحَرِّضُونَ عَلَيْكَ، فَإِنْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَأْذَنَ لِي فِي ضَرْبِ أَعْنَاقِهِمْ فَلْيَفْعَلْ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ - رضي الله عنهم: «بِئْسَ الرَّأْيُ رَأَيْتَ يَا ابْنَ أَبِي سَرْحٍ حَتَّى تَسْتَأْذِنَ فِي قَتْلِ قَوْمٍ فِيهِمْ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ أَنَا بِقَضَاءِ اللَّهِ أَرْضَى مِنْ أَنْ آذَنَ لَكَ فِي ذَلِكَ، فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمْ مَا صَحِبُوكَ، فَإِذَا أَرَادُوا فَأَحْسِنْ جِهَازَهُمْ، وَإِيَّاكَ أَنْ يَأْتِيَنِي عَنْكَ خِلَافُ مَا كَتَبْتُ بِهِ إِلَيْكَ» [1]

وعَنْ كَثِيرِ بْنِ نَمِرٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ - لِرَجُلٍ مِنَ الْخَوَارِجِ - إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي وَجَدْتُ هَذَا يَسُبُّكَ، قَالَ: فَسُبَّهُ كَمَا سَبَّنِي، قَالَ: وَيَتَوَعَّدُكَ، فَقَالَ: لَا أَقْتُلْ مَنْ لَمْ يَقْتُلْنِي، قَالَ عَلِيٌّ: لَهُمْ عَلَيْنَا - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَسِبْتُهُ قَالَ: ثَلَاثٌ: أَنْ لَا نَمْنَعَهُمُ الْمَسَاجِدَ أَنْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهَا، وَأَنْ لَا نَمْنَعَهُمُ الْفَيْءَ مَا دَامَتْ أَيْدِيهِمْ مَعَ أَيْدِينَا، وَأَنْ لَا نُقَاتِلَهُمُ حَتَّى يُقَاتِلُونَا" [2] "

وكل ما سبق يؤكد رسوخ مبدأ حرمة النفس الإنسانية، وأنه لا حق للسلطة في الدولة الإسلامية باستحلال قتل أو تعذيب أحد، أو اضطهاد المعارضة السياسية لمجرد معارضتها الحاكم وسياسته، أو رفضها لحكمه.

لقد كان واضحا منذ ظهور الإسلام أنه دعوة للحرية الإنسانية بمفهومها الشمولي، فشهادة: (أن لا إله إلا الله) نفي صريح لكل أنواع العبودية والخضوع لغير الله عز وجل: قال تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]

فالناس جميعا، متساوون في إنسانيتهم وحريتهم، ولا عبودية إلا لله، لا سيادة لأحد على أحد وإنما السيد هو الله وحده، فهو الذي يستحق الخضوع والطاعة وحده، وقد كرم الله الإنسان فقال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70] [3] وجعل الإنسان خليفته في الأرض، قال تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]

إن أبرز إيحاءات قصة آدم - كما وردت في هذا الموضع - هو القيمة الكبرى التي يعطيها التصور الإسلامي للإنسان ولدوره في الأرض، ولمكانه في نظام الوجود، وللقيم التي يوزن بها. ثم لحقيقة ارتباطه بعهد الله، وحقيقة هذا العهد الذي قامت خلافته على أساسه ..

(1) - تاريخ المدينة لابن شبة (3/ 1123) صحيح لغيره

(2) - الأموال للقاسم بن سلام (ص: 296) (567) حسن

(3) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ تَشْرِيفِهِ لِبَنِي آدَمَ، وَتَكْرِيمِهِ إِيَّاهُمْ بِأَنْ خَلَقَهُمْ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، وَأَكْمَلِ هَيْئَةٍ، وَبِأَنْ مَيَّزَهُمْ بِالعَقْلِ، وَبِأَنْ حَمَلَهُمْ فِي البَرِّ عَلَى الدَّوَابِ وَغَيْرِهَا، وَفِي البَحْرِ فِي السُّفُنِ وَالمَرَاكِبِ، وَبِأَنْ رَزَقَهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، مِنْ زُرُوعٍ وَثِمَارٍ، وَلُحُومٍ وَلِبَاسٍ وَسَكَنٍ، وَمِنْ مَنَاظِرٍ مُبْهِجَةٍ. كَمَا يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ تَفْضِيلِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِهِ، بِالعَقْلِ، وَالتَّفْكِيرِ، وَقَدْ فَضَّلَهُمْ بِاسْتِخْلافِهِمْ فِي الأَرْضِ. أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 2100، بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت