تَرَوْنَ بِسَاطِي هَذَا، إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّهُ يَصِيرُ إِلَى بِلًى وَفَنَاءٍ، وَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ تُدَنِّسُوهُ بِأَرْجُلِكُمْ، فَكَيْفَ أُوَلِّيكُمْ دَيْنِي، أُوَلِّيكُمْ أَعْرَاضَ الْمُسْلِمِينَ وَأَبْشَارَهُمْ، هَيْهَاتَ لَكُمْ هَيْهَاتَ! فَقَالُوا لَهُ: لِمَ، أَمَا لَنَا حَقٌّ؟ قَالَ: مَا أَنْتُمْ وَأَقْصَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عِنْدِي فِي هَذَا الأَمْرِ إِلا سَوَاءَ، إِلا رَجُلا مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَبَسَهُ عَنِّي طُولُ شُقَّتِهِ [1]
وقد جعل للخمس بيت مال على حدة، وللفيء بيت مال على حدة، وللزكاة بيت مال على حدة، حتى لا تختلط مصارف الزكاة بمصارف الخمس أو الفيء، واجتهد اجتهادا كبيرا في إصلاح ما أفسده بعض الخلفاء قبله، حتى لقد فاض في عهده المال ولم يعد يجد الناس من يأخذ الزكاة لغناهم.
ومع أن الفقهاء قد فصلوا في كتب الأحكام السلطانية في تنظيم شئون بيت المال، و أحكام الأموال أحسن تفصيل، بما لا عهد للأمم الأخرى به؛ إلا أن غياب دور الأمة الرقابي فتح الباب على مصراعيه للعبث بالأموال، والتصرف فيها بحسب الأهواء والشهوات، مع إجماع الفقهاء على حرمة ذلك، وأن ما في بيت المال هو حق للمسلمين، لا للخليفة، ولا للأمراء، أو نوابه و وزرائه، إلا أن تطاول الأزمان أدى إلى اعتقاد أن الأموال في بيت المال هي للإمام! يفعل فيها ما يشاء بلا حسيب ولا رقيب، حتى اختلط ماله الخاص بمال الأمة العام ينفق منهما كيف يشاء ويحرم من يشاء!
وَعَنْ إِسْمَاعِيلَ الْفِهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ الْمَنْصُورَ عَلَى مِنْبَرِ عَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَنَا سُلْطَانُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، أَسُوسُكُمْ بِتَوْفِيقِهِ وَرُشْدِهِ، وَخَازِنُهُ عَلَى مَالِهِ، أُقَسِّمُهُ بِإِرَادَتِهِ، وَأُعْطِيهِ بِإِذْنِهِ، وَقَدْ جَعَلَنِي اللَّهُ عَلَيْهِ قُفْلًا، إِذَا شَاءَ أَنْ يَفْتَحَنِي لِإِعْطَائِكُمْ وَقَسْمِ أَرْزَاقِكُمْ فَتَحَنِي، وَإِذَا شَاءَ أَنْ يُقْفِلَنِي عَلَيْهِ أَقْفَلَنِي، فَارْغُبُوا إِلَى اللَّهِ أَيُّهَا النَّاسُ، وَسَلُوهُ - فِي هَذَا الْيَوْمِ الشَّرِيفِ الَّذِي وَهَبَ لَكُمْ فِيهِ مِنْ فَضْلِهِ مَا أَعْلَمَكُمْ بِهِ فِي كِتَابِهِ، إِذْ يَقُولُ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] . أَنْ يُوَفِّقَنِي لِلصَّوَابِ، وَيُسَدِّدَنِي لِلرَّشَادِ، وَيُلْهِمَنِي الرَّأْفَةَ بِكُمْ، وَالْإِحْسَانَ إِلَيْكُمْ، وَيَفْتَحَنِي لِإِعْطَائِكُمْ، وَقَسْمِ أَرْزَاقِكُمْ بِالْعَدْلِ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ. [2]
وهذا يؤكد مدى الانحراف الذي طرأ على مفهوم الخلافة، ومفهوم حق الأمة في بيت المال؛ إذ أصبح السلطان ظلا لله في أرضه، بعد أن كان نائبا عن الأمة وأصبح المال لله يفعل فيه الخليفة ما يشاء بعد أن كان حقا للأمة؟!!
فقد شهدت هذه المرحلة الثانية تراجعا خطيرا وكبيرا لدور الأمة في نقد انحراف السلطة وتقويمها، خاصة في العصر العباسي؛ وكانت بداية هذه المرحلة قد شهدت حركة الحسين
(1) - تاريخ الإسلام ت تدمري (7/ 198) صحيح
(2) - البداية والنهاية ط هجر (13/ 461)