ودل فعل طلحة والزبير على أن السمع والطاعة والبيعة للإمام لا تكون سببا لسقوط الواجب عن الأمة، إذا عجز الإمام عن القيام به، ورأى علي أنه ليس لهم أن يتجاوزوه بعد أن عقدوا له البيعة، لقد اجتهدوا جميعا في طلب الحق.
وقد توجه طلحة والزبير وعائشة ومن معهم إلى البصرة طلبا للقصاص ممن قتل عثمان وكل ذلك يدخل ضمن دائرة العمل السياسي، والمعارضة الجماعية المنظمة للسلطة؛ ولا يمكن الادعاء بأن هؤلاء الصحابة قد خالفوا أصلا من أصول الإسلام، أو ابتدعوا في الدين ما لم يأذن به الله، بل اجتهدوا في أمر يسوغ فيه الاجتهاد، وقد ندم علي بعد ذلك على قتالهم، وكان ابنه الحسن قد نهاه عن ذلك. فعَنْ أَبِي بَكْرَةَ، أَنَّ عَلِيًّا - رضي الله عنهم - قَالَ يَوْمَ الْجَمَلِ: لَمَّا رَأَى الْقَتْلَى وَالرُّءُوسُ تَنْدُرُ: «يَا حَسَنُ، أَيُّ خَيْرٍ يُرْجَى بَعْدَ هَذَا» قَالَ: نَهَيْتُكَ عَنْ هَذَا قَبْلَ أَنْ نَدْخُلَ فِيهِ" [1] "
وقد اعتزل بعض الصحابة كعبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة، وسعد بن أبي وقاص، وغيرهم هذه الفتنة ولم يطيعوا عليا في الخروج، إذ هم يدركون أن الطاعة تكون بالمعروف، وهذا القتال لم يظهر فيه وجه الحق، بل هو قتال فتنة وشبهة في رأيهم فلا يحق للإمام وإن كان مثل علي بن أبي طالب في علمه وورعه واجتهاده أن يلزم الأمة بطاعته فيما ليس بمعروف، وإنما قاتل معه من رأى أنه على الحق، وأن ما أمر به من المعروف.
لقد تطور التراع بعد ذلك، وتمخض عن ظهور حزبين رئيسين يتقاسمان الدولة الإسلامية: حزب علي وشيعته من أهل العراق، وحزب معاوية وشيعته من أهل الشام؛ بينما اعتزل كثير من الصحابة كلا الحزبين، ولقد أدرك كلا الحزبين أن القتال لا خير فيه للأمة، وأن الحل هو في التحاكم إلى الكتاب والسنة، وجعل الأمة حكما فيما بينهما تختار من تشاء وتعزل من تشاء، وهذا نص الاتفاق بينهما"بِسم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم هَذَا مَا تقاضي عَلَيْهِ عَليّ بْن أبي طَالب وَمُعَاوِيَة بْن أبي سُفْيَان قَاضِي عَليّ على أهل الْعرَاق وَمن كَانَ مَعَه من شيعته من الْمُؤمنِينَ وقاضي مُعَاوِيَة على أهل الشَّام وَمن كَانَ مَعَه من شيعته من الْمُسلمين أَنا ننزل على حكم اللَّه وَكتابه فَمَا وجد الحكمان فِي كتاب الله فهما يتبعانه وَمَا لم يجدا فِي كتاب اللَّه فَالسنة العادلة تجمعهما وهما آمنان على أموالهما وأنفسهما وأهاليهما وَالْأمة أننصار لَهما على الَّذِي يقضيان عَلَيْهِ وعَلى الْمُؤمنِينَ وَالْمُسْلِمين والطائفتان كلتاهما عَلَيْهِمَا عهد اللَّه وميثاقه أَن يفيا بِمَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة على أَن بَين الْمُسلمين الْأَمْن وَوضع السِّلَاح وعَلى عَبْد اللَّه بْن قيس وَعَمْرو بْن الْعَاصِ عهد اللَّه وميثاقه ليحكما بَين النَّاس بِمَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة على أَن الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا يرجعان سنة فَإِذا انْقَضتْ السّنة إِن أحبا أَن يردا ذَلِك ردا وَإِن أحبا زادا فيهمَا مَا شَاءَ اللَّه اللَّهُمَّ إِنَّا نستنصرك على من ترك مَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة وَشهد على الصَّحِيفَة فريق عشرَة"
(1) - المستدرك على الصحيحين للحاكم (3/ 420) (5598) ومعجم ابن الأعرابي (2/ 463) (905) حسن