أنفس فَشهد من أَصْحَاب على الْأَشْعَث بْن قيس وَعبد اللَّه بْن عَبَّاس وَسَعِيد بْن قيس الْهَمدَانِي وَحجر بْن الأدبر الْكِنْدِيّ وَعبد اللَّه بْن الطُّفَيْل العامري وَعبد اللَّه بْن مَحل الْعجلِيّ ووقاء بْن سمي البَجلِيّ وَعقبَة بْن زيد الْأنْصَارِيّ وَيزِيد بْن حجية التَّيْمِيّ وَمَالك بْن أَوْس الرَّحبِي وَشهد من الشَّام أَبُو الْأَعْوَر السّلمِيّ وحبِيب بْن مسلمة الفِهري والمخارق بْن الْحَارِث الزبيدِيّ وعلقمة بْن يزِيد الْحَضْرَمِيّ وسبيع بْن يزِيد الْحَضْرَمِيّ وزمل بْن عَمْرو العذري وَيزِيد بن الْحر الْعَبْسِي وَحَمْزَة بن مَالك الْهَمدَانِي وَعبد الرَّحْمَن بن الخالد بْن الْوَلِيد وَعتبَة بْن أبي سُفْيَان وَكتب يَوْم الْأَرْبَعَاء سنة سبع وَثَلَاثِينَ فَانْصَرف على بِمن مَعَه من أهل الْعرَاق وَانْصَرف مُعَاوِيَة بِمن مَعَه إِلَى الشَّام فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن وهب الحرمي وَكَانَ من أَصْحَاب عَليّ لَا حكم إِلَّا لله فَقَالَ على هَذِه كلمة حق أُرِيد بهَا بَاطِل" [1] "
فَلَمَّا اجْتَمَعَ الْحَكَمَانِ تَرَاوَضَا عَلَى الْمَصْلَحَةِ لِلْمُسْلِمِينَ بِعِلْمٍ وَنَظَرٍ فِي تَقْدِيرِ أُمُورٍ، ثُمَّ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَعْزِلَا عَلِيًّا وَمُعَاوِيَةَ، ثُمَّ يَجْعَلَا الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَ النَّاسِ لِيَتَّفِقُوا عَلَى الْأَصْلَحِ لَهُمْ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَقَدْ أَشَارَ أَبُو مُوسَى بِتَوْلِيَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: فَوَلِّ ابْنِي عَبْدَ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يُقَارِبُهُ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالزُّهْدِ. فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: إِنَّكَ قَدْ غَمَسْتَ ابْنَكَ فِي الْفِتَنِ وَالدُّنْيَا مَعَكَ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ رَجُلُ صِدْقٍ" [2] .، إلا أنهما لم يتفقا على أحد."
إن قصة التحكيم ذاتها دليل واضح على أن الأمة هي الحكم في اختيار من تختاره للإمامة، كما أن فيما حصل بين الحزبين دليل على تجذر الحزبية السياسية، ومشروعية الانتماء السياسي، وهو الميل مع طرف دون طرف، بدعوى أنه الأجدر بقيادة الأمة وإدارة شئونها، وإنما المحظور الذي وقع هو الاقتتال بين الحزبين، وقد كان الصواب هو في التحاكم إلى الأمة لتختار من ترضاه؛ إذ هي صاحبة الحق ابتداء وانتهاء، فلا يحق لأحد أن يفرض نفسه عليها بالقوة.
لقد ظهرت قابلية المجتمع المسلم للتعددية السياسية منذ وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - واجتماع الصحابة في سقيفة بني ساعدة، وتنافس الأنصار والمهاجرين على الإمامة، حتى فَقَالَ قَائِلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَا جُذَيْلُهَا المُحَكَّكُ، وَعُذَيْقُهَا المُرَجَّبُ، مِنَّا أَمِيرٌ، وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ. فَكَثُرَ اللَّغَطُ، وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ، [3] ، إلا أن حسم هذا الخلاف تم بالتحاور والتراضي، بعد أن أكد أبو بكر الصديق أن العرب - أي المسلمين - لا يرضون إلا بهذا الحي من قريش، والعرب المسلمون هم أصحاب الحق في اختيار من يشاءون، وقد أدرك الأنصار هذه الحقيقة
(1) - الثقات لابن حبان (2/ 293)
(2) - البداية والنهاية ط هجر (10/ 573)
قلت: هذا الاتفاق بهذا الشكل غير صحيح قطعا لأن معاوية - رضي الله عنهم - لم يكن خليفة للمسلمين حتى يعزل، وإنما الخليفة هو علي - رضي الله عنهم - وحده، إلا إذا قصدا بذلك أنهما قررا عزل كليهما عن منصبهما معًا فيتسق ذلك.
(3) - الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم (ص: 679) 6830 - 1887 -