كما يدل حرص معاوية على أخذ البيعة ليزيد على ضرورة عقد البيعة وأهميته، وأن شرعية أي إمام لا تتم إلا به، وأن كونه خليفة للمسلمين لا يخوله حق فرض ابنه على الأمة، وأن عهده إلى ابنه دون عقد البيعة لا قيمة له، ولهذا حرص على عقدها لابنه لضرورتها.
س: ما كيفية هذا العقد؟!
ج: عقد البيعة كسائر العقود، يشترط فيه ما يشترط فيها من حيث الجملة، وهو أشبه العقود بعقد الوكالة، حيث الأمة هي الأصيل، ومن تختاره إماما لها هو الوكيل عنها في القيام بما أوجب الله على المسلمين القيام به؛ من إقامة العدل والحقوق والحدود والمصالح التي يقوم بها الإمام نيابة عن الأمة بموجب عقد البيعة.
إذا كانت الإمامة لا تتم إلا بعقد البيعة بين الأمة والإمام، وإذا كانت البيعة عقدا من العقود، فإنه لا بد فيه من الرضا والاختيار من طرفي العقد؛ إذ لا يصح عقد من العقود إلا بالرضا دون إكراه أو إجبار، وإذا كان الرضا في عقود البيع والمعاملات ركنا من أركان العقد أو شرطا من شروط صحته؛ كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] فكيف بعقد الإمامة؟!!
ولا خلاف بين الصحابة في أنه لا بد لصحة البيعة من رضا الأمة واختيارها دون إكراه أو إجبار، فعَنْ أَبِي السَّفَرِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَشْرَفَ مِنْ كَنِيفٍ أَوْ رَفِيفٍ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ هِيَ مُمْسِكَتُهُ وَهِيَ مَوْشُومَةُ الْيَدَيْنِ: أَتَرْضَوْنَ بِمَنِ اسْتُخْلِفَ عَلَيْكُمْ؟ فَوَاللَّهِ مَا أَلَوْتُ وَلَا تَلَوْتُ، وَلَا أَلَوْتُ عَنْ جَهْدِ رَايٍ، وَلَا وَلَّيْتُ ذَا قَرَابَةٍ، اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا" [1] ."
وقد ذكر الماوردي الخلاف بين الفقهاء فقال: اخْتَلَفُوا هَل يَكُونُ ظُهُورُ الرِّضَا مِنْهُمْ شَرْطًا فِي انْعِقَادِ بَيْعَتِهِ أَوْ لاَ؟ فَذَهَبَ بَعْضُ عُلَمَاءِ أَهْل الْبَصْرَةِ إِلَى أَنَّ رِضَا أَهْل الاِخْتِيَارِ لِبَيْعَتِهِ شَرْطٌ فِي لُزُومِهَا لِلأُْمَّةِ، لأَِنَّهَا حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِهِمْ، فَلَمْ تَلْزَمْهُمْ إِلاَّ بِرِضَا أَهْل الاِخْتِيَارِ مِنْهُمْ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ بَيْعَتَهُ مُنْعَقِدَةٌ وَأَنَّ الرِّضَا بِهَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، لأَِنَّ بَيْعَةَ عُمَرَ - رضي الله عنهم - لَمْ تَتَوَقَّفْ عَلَى رِضَا الصَّحَابَةِ، وَلأَِنَّ الإِْمَامَ أَحَقُّ بِهَا فَكَانَ اخْتِيَارُهُ فِيهَا أَمْضَى، وَقَوْلُهُ فِيهَا أَنْفَذَ. [2] .
وهذا هو الصحيح الذي لا يسوغ غيره، وهو ما كان عليه الصحابة - رضي الله عنهم - م فقد عقدوا البيعة لأبي بكر ثم لعمر ثم لعثمان ثم لعلي دون إكراه أو إجبار.
وإذا كان الله عز وجل الذي أوجب طاعته على العباد لم يرض إجبارهم ولا إكراههم على طاعته حتى قال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256] فكيف يتصور جواز عقد
(1) - المفصل في شرح السنن النبوية في الأحكام السياسية (ص: 180) والسنة لأبي بكر بن الخلال (1/ 276) (338) صحيح لغيره
(2) - المهذب في فقه السياسة الشرعية (ص: 545) والأحكام السلطانية للماوردي (ص: 31)