فهرس الكتاب

الصفحة 218 من 232

لقد تم بعث الخطاب السياسي المؤول بعد أن تجاوزته - أو كادت - حركة جمال الدين الأفغاني وأتباعه كعبد الرحمن الكواكبي ورشيد رضا وحسن البنا، الذي حاول إصدار المنار التي كانت تحمل هذا الفكر، فما إن جاء عقد الثمانينات من القرن العشرين حتى ساد الخطاب المؤول من جديد، وتراجع فجأة خطاب حركة النهضة، وبدأ أكثر علماء الصحوة الإسلامية، ودعاتها في هذه الفترة يدندنون حول مفهوم السمع والطاعة، وتحريم الخروج، والصبر على جور الأئمة، والاحتجاج بأقوال السلف دون مراعاة للفرق والبون الشاسع بين عصر نشأة هذا الفكر والعصر الحديث، لقد اختار أئمة السنة الصبر على مثل المأمون العباسي حيث أعلام الجهاد قائمة، والشريعة حاكمة، والأعراض مصونة، والدماء محقونة، بخلاف هذا العصر الذي سيطرت فيه التيارات العلمانية على العالم الإسلامي، وتم فيه تعطيل الشريعة، وظهر الكفر البواح، واستولى أعداء الأمة والدين على شئون المسلمين، وصارت الشوكة فيها لليهود والصليبيين، وصار المسلمون مطاردين: تسفك دماؤهم، وتهتك أعراضهم، وتسلب أموالهم، وأصبح الحال أشد مما كان في عهد العبيديين، الذي أجمع العلماء على كفرهم ووجوب الخروج عليهم وجهادهم.

لقد تم استدعاء هذا الخطاب والاحتجاج به لا في الزمن الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - «سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي» [1] .، بل في الزمن الذي قال فيه: (إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا، عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ) [2] .

إن أكثر الأنظمة اليوم ليست هي الأنظمة التي توصف بالجور الذي اختلف العلماء في شأنه، بل هي الأنظمة التي توصف بالكفر الذي أجمع العلماء على وجوب الخروج عليها لمن استطاع، فلا يمكن تتريل كلام السلف على الواقع إلا كما لو صح تتريله على دولة العبيديين في مصر [3] .

إن الأمة الإسلامية والعربية على وجه الخصوص اليوم أحوج ما تكون إلى ثورة فكرية، تنسف مفاهيم الخطاب السياسي المؤول والمبدل، وتعمل على إحياء مفاهيم الخطاب السياسي الشرعي المترل؛ كحق الأمة في اختيار السلطة عن طريق الشورى والرضا، وحقها

(1) - التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح (ص: 312) 1109 - (بخاري: 2377)

الأثَرَة: اِسْتِئْثَار الْأُمَرَاء بِأَمْوَالِ بَيْت الْمَال. شرح النووي (6/ 317)

(2) - الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم ط 1 (ص: 492) 7055 و 7056 - [ش أخرجه مسلم في الإمارة باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية .. رقم 1709 (كفرا) منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام فتكون المنازعة بالإنكار عليهم. أو كفرا ظاهرا فينازعون بالقتال والخروج عليهم وخلعهم. (بواحا) ظاهرا وباديا. (برهان) نص آية أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل]

(3) - انظر كتابي:"فراعنة العصر في العراء"وكتابي"الفرق بين طغاة المسلمين وطغاة الكفار"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت