قال بعض السلف لما لامه بعض الناس على الصلاة خلف المبتدعة: إن دعونا إلى الله أجبنا، وإن دعونا إلى الشيطان أبينا، وفي الحديث عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ» [1]
وفقنا الله وإياكم للجهاد في سبيله والإيمان بوعده وقيله.
واحذروا المراء والخوض في دين الله بغير علم؛ فإنه من أسباب الهلاك كما صح بذلك"الحديث عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ يَتْرُكِ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ» [2] "
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم)" [3] "
وفيها تجلى بوضوح موقف الفكر السلفي في القرنين الثاني والثالث عشر الهجريين من موضوع الدولة، والجهاد، وموالاة غير المؤمنين، ومدى التراجع الذي حصل في خطاب هذه المدرسة السلفية في العصر الحديث؟!
إن مثل هذا التحول يكشف مدى الأزمة التي تعيشها الأمة الإسلامية فكريا وعقائديا، ومدى استجابتها لضغوط الواقع، فلقد استطاعت الحكومات في العالم العربي في العصر الحديث توظيف العلماء في خدمة خطابها السياسي المبدل، وإضفاء الشرعية عليه، فاجتمع في الخطاب السياسي المعاصر أسوأ ما في خطاب علي عبد الرازق المبدل، وهو شرعية إقصاء (الخلافة - والشريعة - والجهاد) ، وأسوأ ما في الخطاب المؤول، وهو مشروعية الاستبداد وعدم وجوب الشورى، وجواز توارث الحكم، وحرمة الخروج على السلطة مهما بلغ انحرافها وفسادها، ومهما سفكت من الدماء، وانتهكت من الحقوق والمحرمات؛ ليصدق في هذا حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -"إِنَّ رَبِّي زَوَى لِي الْأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ مُلْكَ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وَلَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَإِنَّ رَبِّي قَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً، فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَلَا أُهْلِكُهُمْ بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وَلَا أُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِ أَقْطَارِهَا - أَوْ قَالَ بِأَقْطَارِهَا - حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَحَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يَسْبِي بَعْضًا، وَإِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ، وَإِذَا وُضِعَ السَّيْفُ فِي أُمَّتِي لَمْ يُرْفَعْ عَنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" [4]
(1) - المفصل في فقه الجهاد ط 4 (ص: 1268) والسنن الكبرى للنسائي (4/ 269) (4289) صحيح
(2) - الآداب للبيهقي (ص: 133) (322) صحيح لغيره
(3) - مجموعة الرسائل النجدية ص 3/ 170 - 174
(4) - المسند الموضوعي الجامع للكتب العشرة (2/ 41) وأبو داود (4252) صحيح