فهرس الكتاب

الصفحة 219 من 232

في مراقبة السلطة ومحاسبتها، وحقها في خلعها عند انحرافها، وحقها في المراقبة على ثرواتها وأموالها، وحماية أوطانها ومصالحها، وحقها في تحقيق العدل الاجتماعي والمساواة والحرية، وحقها في التحاكم إلى شريعتها، وحقها في ممارسة العمل السياسي وحرية التعبير والتفكير ونقد السلطة بلا خوف ولا وجل، وحقها في تكوين الأحزاب والجماعات والانضمام إليها، وحقها في وقف الأوقاف على المشاريع العلمية والفكرية دون تدخل من السلطة، كل ذلك في إطار أحكام الشريعة المترلة العادلة.

إن إحياء هذه المفاهيم السياسية الشرعية كفيل بإحداث ثورة إصلاحية سياسية كبرى، سواء أبادرت إليها الحكومات أم قامت بها الشعوب.

إن على الحركة الإسلامية أن تدرك أن جميع الحركات الإصلاحية في العالم كله إنما حققت مشاريعها الإصلاحية عن طريق السلطة، ولا سبيل إلى تحقيق الإصلاح أو نهضة أمة إلا بإصلاح السلطة نفسها، فبصلاحها يتحقق إصلاح المجتمع ونهضته، وكل جهد يبذل في غير هذا الاتجاه لا يمكن أن يحقق الإصلاح العام للمجتمعات الإسلامية، وإن عاد على بعض الأفراد بالخير والصلاح؛ لقد قامت جميع الحركات والأيديولوجيات في العالم بعد وصولها للسلطة بتحقيق مشاريعها الإصلاحية، كما حصل في الثورة الفرنسية والثورة الروسية والثورة الأمريكية ... إلخ، ولم يعرف التاريخ حركة إصلاحية نجحت في تحقيق مشروعها بغير هذا الطريق.

نعم، بإمكان السلطة إذا كانت هي نفسها تحمل مشروعا إصلاحيا أن تحقق الإصلاح كما فعل إمبراطور اليابان في القرن التاسع عشر، إلا أن العالم الإسلامي لم يشهد مثل هذه الظاهرة؛ لأن الخطاب السياسي المبدل يمنع من ظهوره ويحول دون وجوده.

وإن على الأمة أن تشق طريقها إلى تحقيق نهضتها بكل وسيلة مشروعة سلمية كانت أو ثورية، برضا السلطة ومشاركتها أو دون رضاها ومعارضتها، فللشعوب الحق أن تقاتل دون دينها وحريتها وحقوقها وكرامتها، كما في الحديث الصحيح عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِهِ فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قَاتَلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قَاتَلَ دُونَ أَهْلِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ» [1]

لقد حرم العلماء مواجهة طغيان السلطة وانحرافها؛ خشية ما يترتب على الخروج عليها من مفاسد، فكانت النتيجة وقوع الأمة كلها تحت الاستعمار، وفقدان الأمن والاستقرار، وتخلف العالم الإسلامي حتى لم يعد يمكن إصلاح الأوضاع فيه إلا عن طريق الثورة الفكرية والسياسية التي باتت ضرورة اجتماعية وشرعية.

(1) - السنن الكبرى للنسائي (3/ 454) (3543) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت