فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 232

وعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ:"كُنْتُ عِنْدَ عَلِيٍّ حِينَ فَرَغَ مِنْ قِتَالِ أَهْلِ النَّهْرَوَانِ فَقِيلَ لَهُ: أَمُشْرِكُونَ هُمْ؟ قَالَ: «مِنَ الشِّرْكِ فَرُّوا» ، فَقِيلَ: مُنَافِقُونَ؟ قَالَ: «الْمُنَافِقُونَ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا» ، قِيلَ: فَمَا هُمْ؟ قَالَ: «قَوْمٌ بَغَوْا عَلَيْنَا فَقَاتَلْنَاهُمْ» [1] "

ونهى الخليفة الراشد علي عن سب الخوارج وشتمهم فعَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي نَصْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَلِيٍّ فَذَكَرُوا أَهْلَ النَّهَرِ فَسَبَّهُمْ رَجُلٌ، فَقَالَ عَلِيٌّ: لاَ تَسُبُّوهُمْ، وَلَكِنْ إِنْ خَرَجُوا عَلَى إمَامٍ عَادِلٍ فَقَاتِلُوهُمْ، وَإِنْ خَرَجُوا عَلَى إمَامٍ جَائِرٍ فَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ، فَإِنَّ لَهُمْ بِذَلِكَ مَقَالاًَ [2] .

فالكتاب والسنة هما مصدرا التشريع، والدستور الذي يجب التحاكم إليه، وقد سبق الإسلام جميع الأنظمة والفلسفات الأرضية في ترسيخ مبدأ المشروعية الذي يخضع له الجميع بلا استثناء، الحاكم والمحكوم على حد سواء!

فأوربا لم تعرف مبدأ المشروعية إلا بعد الثورة الفرنسية سنة 1789 م، أما قبل ذلك فقد كان الملك هو الدولة! كما قال ملك فرنسا لويس الرابع عشر: (أنا الدولة) وكان للملك السيادة والطاعة المطلقة؛ يخضع الجميع له ولا يخضع هو لأحد! بل مشروعية أي قانون تكمن في إصدار الملك له، ليصبح ملزما لكل إنسان يعاقب كل من يخالفه!!!

وهذا هو الحال في العالم كله قبل قيام الدولة الإسلامية في المدينة المنورة؛ إذ كانت هي أول دولة تقوم على أساس دستوري [3] ، تحدد فيه المرجعية التي يتم التحاكم إليها بين

(1) - تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي (2/ 543) (591) صحيح

(2) - المفصل في شرح السنن النبوية في الأحكام السياسية (ص: 762) والمفصل في أحاديث الفتن (ص: 811) ومصنف ابن أبي شيبة -دار القبلة (21/ 446) (39071) فيه جهالة

انظر اليوم إلى برامج التجريم بل والتكفير لكل من انتقد الحاكم وانتقد سياسته مجرد نقد!

(3) - انظر المبادئ الدستورية العامة أ. د. عادل الطبطبائي - عميد كلية الحقوق سابًقا - ص 59 حيث يقول:(يمكن أن نذكر هنا أن أول دستور مكتوب عرفه لتنظيم أحوال دولة المدينة عقب انتقاله إليها من مكة، إذ حوت هذه الوثيقة على مقدمة _ العالم كان عبارة عن تلك الوثيقة التي أعدها الرسول الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - نجد فيها إعلانا عن قيام وحدة سياسية إسلامية تتألف من مهاجري مكة وأنصار المدينة، بالإضافة إلى الأقليات الأخرى القاطنة في المدينة والتي أبدت استعدادها للخضوع لهذه الوحدة السياسية الجديدة. كما تضمنت الوثيقة نصوصا في التكافل الاجتماعي وإقامة العدل وتنظيم القضاء، كما تضمنت بعض المبادئ الجزائية الهامة كمبدأ شخصية العقوبة ومبدأ القصاص جزاء للقتل العمد العدواني، كما عددت أنواع الجرائم التي تقع على الأنفس والأموال.

كما جعلت الوثيقة من الرسول الكريم الحاكم الأعلى في الدولة، وحكما بين رعاياها، كما بينت بعض النصوص مركز الأقليات الدينية في الدولة الإسلامية الجديدة، وأخيرا بينت النصوص الأخرى الحقوق والحريات التي يكفلها الإسلام، فذكرت حق الحياة، وحرية العقيدة، وحق الملكية، وحق الأمن والمسكن، والتنقل، وحق المساواة، وحق الفرد في المعونة المالية، وبذلك يكون الإسلام أول من أرسى دعائم الحريات الاقتصادية والاجتماعية، كما ذكرت الوثيقة حق التجمعات على أساس القبيلة أو على أساس الدين، وحق إبداء الرأي.

ويتضح من العرض السابق أن الأحكام الواردة في الوثيقة تشكل العمود الفقري لأي وثيقة دستورية حديثة، وبذلك يؤكد الإسلام سبقه للتنظيمات الحديثة حتى في هذا المجال).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت