فكان يرى أن فساد آرائهم وتطرفها ومعارضتهم له، لا يستوجب قتلهم أو حبسهم أو ضربهم، وهذا ما كان ينهجه عثمان مع من خرجوا عليه، وهذا ما كان ينهجه عمر مع من خالفوه الرأي واعترضوا على سياسته، وهذا أيضا ما ثبت عن أبي بكر مع من ينتقده ويسبه علانية، كل هؤلاء الخلفاء الأربعة الراشدين لم يؤاخذوا أحدا بمجرد آرائهم واعتراضهم على سياستهم وكل هذا يؤكد مدى الحرية السياسية الفكرية!!
وهذه سنّة حسنة سنها الخليفة الرابع في التعامل مع الخوارج، وأجمع عليها الصحابة - رضي الله عنهم - م وسار عليها الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، فعَنْ مُغِيرَةَ، قَالَ: خَاصَمَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْخَوَارِجَ , فَرَجَعَ مَنْ رَجَعَ مِنْهُمْ , وَأَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا , فَأَرْسَلَ عُمَرُ رَجُلًا عَلَى خَيْلٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يَنْزِلَ حَيْثُ يَرْحَلُونَ , وَلَا يُحَرِّكُهُمْ وَلَا يُهَيِّجُهُمْ , فَإِنْ قَتَلُوا وَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ فَاسْطُ عَلَيْهِمْ وَقَاتِلْهُمْ , وَإِنْ هُمْ لَمْ يَقْتُلُوا وَلَمْ يُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ فَدَعْهُمْ يَسِيرُونَ" [1] ."
وقد كان لهذه السنة أكبر الأثر فيما بعد في استقرار المجتمع الإسلامي، مع كثرة الطوائف الفكرية والمذاهب الفقهية والأحزاب السياسية، التي كانت تعج بها الدولة الإسلامية وعواصمها الرئيسية، فلم يعرف المسلمون في تاريخهم حروب الاضطهاد الديني، أو استئصال الطوائف المخالفة في الرأي، وهذه الحرية السياسية أرقى ما وصلت إليه الممارسة السياسية في أي نظام سياسي حديث؟!
لقد كانت هذه السياسة التي سار عليها علي تمثل تعاليم الخطاب السياسي الإسلامي المترل، بأوضح صورها وأعدلها؛ حيث تضمن لمخالفيه في الرأي مع تطرفهم وغلوهم الحرية الفكرية، والسياسية، والحقوق المالية؛ فلم يقاتلهم إلا دفعا لعدوانهم، ومنعا لفسادهم، لا لفساد آرائهم وتطرفها، ولا لمعارضتهم له في الرأي؛ لعلمه أن الدين الذي لم يضق ذرعا بوجود أديان أخرى في ظل عدل الإسلام حيث جاء بمبدأ: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256] لا يمكن أن يضيق ذرعا من باب أولى بالخلاف في الرأي بين أهل الدين الواحد فيما تأولوا فيه.
إضاءة:
عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، قَالَ: سُئِلَ عَلِيٌّ عَنْ أَهْلِ الْجَمَلِ، قَالَ: قِيلَ: أَمُشْرِكُونَ هُمْ؟ قَالَ: مِنَ الشِّرْكِ فَرُّوا , قِيلَ: أَمُنَافِقُونَ هُمْ؟ قَالَ: إِِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِِلَّا قَلِيلًا ; قِيلَ: فَمَا هُمْ؟ قَالَ: إِِخْوَانُنَا بَغَوْا عَلَيْنَا" [2] "
وعَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: مَنْ يَتَعَرَّفُ الْبُغَاةَ يَوْمَ قُتِلَ الْمُشْرِكُونَ؟ يَعْنِي أَهْلَ النَّهْرَوَانِ، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ:"مِنَ الشِّرْكِ فَرُّوا، قَالَ: فَالْمُنَافِقُونَ؟ قَالَ: الْمُنَافِقُونَ لَا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلًا، قَالَ: فَمَا هُمْ؟ قَالَ: قَوْمٌ بَغَوْا عَلَيْنَا فَنُصِرْنَا عَلَيْهِمْ" [3]
(1) - المفصل في شرح السنن النبوية في الأحكام السياسية (ص: 760) ومصنف ابن أبي شيبة (7/ 557) (37908) صحيح
(2) - مصنف ابن أبي شيبة (1/ 11) (37763) والبداية والنهاية ط هجر (10/ 591) صحيح لغيره
(3) - السنن الكبرى للبيهقي (8/ 302) (16722) صحيح