فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 232

حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا؟ فَقَالَ: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ» [1] بقصد تحرير الإنسان وهدايته وإقامة العدل.

لقد كانت الدولة والأمة في خدمة هذا الدين ومبادئه الإنسانية، ثم آل هذا الخطاب كما في الخطاب المبدل إلى خطاب يجعل من السلطان إلها أو نصف إله! لا يسأل عما يفعل وهم يسألون؟ يأمر فيطاع! ويقول فتسمع الأمة كلها قوله؟ ويستبد فلا يرد؟ ويقتل فلا يقتص منه؟ ويأخذ ما شاء ويترك ما شاء فلا يحاسب، ثم لا يكتفي بذلك حتى نصب له مفتيًا يوظف الدين في خدمة السلطة وأهوائها، ويضفي الشرعية على كل تجاوزاتها، فإذا بالأمة الإسلامية تحذو حذو أوربا المسيحية في عصورها الوسطى، حذو القذة بالقذة، كما جاء في الحديث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ: «لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ» ،قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اليَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَنْ» [2]

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنهم -، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَاخُذَ أُمَّتِي بِأَخْذِ القُرُونِ قَبْلَهَا، شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ» ،فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَفَارِسَ وَالرُّومِ؟ فَقَالَ: «وَمَنِ النَّاسُ إِلَّا أُولَئِكَ» [3]

فقام بين ظهراني المسلمين قيصر كما كان لهم قيصر، وبابا يوظف الدين في خدمة الدولة كما كان لهم بابا، وتم تبديل الشريعة بالقوانين الوضعية باسم الدين، وشاع الاستبداد السياسي، وانتهاك حقوق الإنسان باسم طاعة ولي الأمر والسلطان؟!

لقد تغير الخطاب السياسي الشرعي إلى خطاب مشَوه ممسوخ، لا علاقة له بالخطاب الأول المترل، وتحول إلى آصار وأغلال تحول بين الأمة ونهضتها، والشعوب وحريتها، والإنسانية وكرامتها، فما لبث الناس أن خرجوا من الإسلام أفواجا كما دخلوا فيه أفواجا، ولم يخرجوا من الإسلام الحق؛ إذ لا يعرف الإسلام أحد حق المعرفة فيخرج إلى سواه، وإنما خرج الناس من الدين الباطل الذي يدعو إلى الوثنية والخرافة باسم التبرك بالصالحين؟! ويدعو إلى إلغاء

(1) - صحيح البخاري (5/ 134) (4210)

(2) - الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم (ص: 707) 7320 - 1950 - [ش أخرجه مسلم في العلم باب اتباع سنن اليهود والنصارى رقم 2669]

(3) - صحيح البخاري (9/ 102) (7319)

(بأخذ القرون) تسير بسيرة الأمم قبلها. (شبرا بشبر) الشبر ما بين رأس الإبهام ورأس الخنصر والكف مفتوحة مفرقة الأصابع والمراد بيان شدة اتباعهم والمبالغة في تقليدهم. وذكر فارس والروم لأنهم كانوا أكبر ممالك الأرض حينئذ وأكثرهم رعية وأوسعهم بلادا والناس إنما يقلدون من كان هذا حاله وليس المراد الحصر. وكذلك ذكره لليهود والنصارى في الحديث الآتي لأنهم كانوا المشهورين بالديانات السماوية]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت