وإذا كانت المعارضة الفردية لسياسة الخلفاء هي الأبرز في عهد أبي بكر وعمر، فقد دخل العمل السياسي والمعارضة السياسية طورا جديدا، وأخذا بعدا أكثر تنظيما في عهد الخليفتين عثمان وعلي، فقد بدأت المعارضة تأخذ طابعا جديدا، وقد بدأت في البصرة والكوفة ومصر، ثم أصبحت أكثر انتشارا،؛حيث ظهرت جماعة منظمة معارضة لسياسة عثمان واستطاعت أن تستقطب إلى صفوفها بعض الصحابة كعمار بن ياسر الذي أرسله عثمان لمعرفة أخبار هذه المعارضة فانضم إلى صفوفها!
مطالب المعارضة:
وقد كانت المطالب التي طالب بها هؤلاء المعارضون لسياسة عثمان محددة تتمثل في:
1 -الإصلاح السياسي باختيار أمراء جدد للأقاليم وعزل الأمراء الذين يشتكي منهم الناس.
2 -الموافقة على عودة قادة المعارضة إلى بلدانهم التي نفوا منها.
3 -الإصلاح الاقتصادي بالقسم وتوزيع الفيء والأموال بالعدل والتساوي.
4 -الإصلاح الإداري باستعمال ذوي الأمانة والقوة من المسلمين، في الأعمال الإدارية للدولة، بدلا من الأقارب وهو مبدأ تكافؤ الفرص.
وقد أثنى عثمان لى هذه الشروط وتم توثيقها بحضرة علي وقد تم الاتفاق بينهم وبين الخليفة الراشدي عثمان على الوفد المصري الذي عقد معهم الاتفاق، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي أُسَيْدٍ قَالَ: خَطَبَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - رضي الله عنهم - فَقَالَ:"إِنَّ رَكْبًا نَزَلُوا ذَا الْحُلَيْفَةِ وَإِنِّي خَارِجٌ إِلَيْهِمْ، فَمَنْ شَاءَ أَنْ يَخْرُجَ فَلْيَخْرُجْ قَالَ: فَكُنْتُ فِيمَنْ خَرَجَ - يَعْنِي أَبَا سَعِيدٍ - قَالَ: فَأَتَيْنَاهُمْ فَإِذَا هُمْ فِي حَظَائِرَ سُقُفٍ أَبْصَرْنَاهُمْ مِنْ خِلَالِ الْحَائِطِ، وَإِذَا شَابٌّ قَاعِدٌ فِي حِجْرِهِ الْمُصْحَفُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَرَأَيْتَ: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59] "فَقَالَ: «إِنَّ عُمَرُ - رضي الله عنهم - حَمَى حِمًى، وَإِنَّ الصَّدَقَةَ زَادَتْ فَزِدْتُ فِي الْحِمَى، فَمَنْ شَاءَ أَنْ يَرْعَى فَلْيَرْعَ، أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَأَسْتَغْفِرُهُ» . فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَحْسَنْتَ. ثُمَّ قَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلْ عَلَى بَيْتِ اللَّهِ إِذْنٌ؟ قَالَ: «كُنْتُ أَرَى أَنَّ الْجِهَادَ أَفْضَلُ مِنَ الْحَجِّ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ رَأْيِكُمْ فَقَدْ أَذِنَّا لِلنَّاسِ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَحُجَّ فَلْيَحُجَّ، أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَأَسْتَغْفِرُهُ» . فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَقَدْ أَحْسَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ - فِي خِصَالٍ سَأَلُوهُ عَنْهَا فَتَابَ مِنْهَا وَرَجَعَ عَنْهَا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُونَ: قَدْ أَحْسَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ - قَالَ: «فَانْفِرُوا وَتَفَرَّقُوا» ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: «مَا رَأَيْتُ رَكْبًا كَانُوا فِي نَفْسِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ خَيْرًا مِنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبِ، وَاللَّهِ إِنْ قَالُوا إِلَّا حَقًّا وَإِنْ سَأَلُوا إِلَّا حَقًّا» . فَرَجَعُوا إِلَيْهِ، فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: «مَا رَجَّعَكُمْ إِلَيَّ بَعْدَ إِعْطَائِكُمُ الْحَقَّ؟» قَالُوا: كِتَابُكَ. قَالَ: «وَيْلَكُمْ لَا تُهْلِكُوا أَنْفُسَكُمْ وَتُهْلِكُوا أُمَّتَكُمْ، وَاللَّهِ إِنْ كَتَبْتُهَا وَلَا أَمْلَيْتُهَا» . فَقَالَ الْأَشْتَرُ: إِنِّي وَاللَّهِ أَسْمَعُ حَلِفَ رَجُلٍ مَا أَرَاهُ إِلَّا قَدْ مُكِرَ بِهِ وَمُكِرَ بِكُمْ قَالَ: فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فَوَطِئُوهُ حتَّى ثَقُلَ ثِقَلًا قَالَ: فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ