الفصل الثاني
المرحلة الثانية:
مرحلة الخطاب السياسي الشرعي المؤول 73 - هـ 1350 هـ تقريبا
وقد بدأت ملامح هذا الخطاب منذ تحول الخلافة من شورى إلى ملك عضوض؛ وقد أخبر بهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: كُنَّا قُعُودًا فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،وَكَانَ بَشِيرٌ رَجُلًا يَكُفُّ حَدِيثَهُ، فَجَاءَ أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ، فَقَالَ: يَا بَشِيرُ بْنَ سَعْدٍ أَتَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،فِي الأُمَرَاءِ؟ فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا أَحْفَظُ خُطْبَتَهُ، فَجَلَسَ أَبُو ثَعْلَبَةَ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلاَفَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا، فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلاَفَةً عَلَى مِنْهَاجِ نُبُوَّةٍ ثُمَّ سَكَتَ." [1] ."
وقد انتهى عصر الخلفاء الراشدين سنة (40 هـ) وبدأ العصر الأموي حيث بدأ تراجع الخطاب السياسي الممثل لتعاليم الدين المترل؛ وبدأ خطاب سياسي يمثل تعاليم الدين المؤول، حيث بدأ الاستدلال بالنصوص على غير الوجه الصحيح الذي أراد الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «أَوَّلُ مَنْ يُبَدِّلُ سُنَّتِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ» [2]
س: ما المقصود بالسنة المراد تغييرها في هذا الحديث؟!
ج: قال الألباني عن ذلك (لعل المراد بالحديث تغيير نظام اختيار الخليفة وجعله وراثة) وهو الظاهر.
وقد بدأت هذه المرحلة بعد عهد الخلفاء الراشدين وفي أواخر عهد معاوية حين عهد بالأمر إلى ابنه يزيد، إلا أن الخطاب المترل امتد إلى أن انتهى باستشهاد آخر خليفة صحابي وهو عبد الله بن الزبير سنة 73 هـ، حيث استقر الخطاب المؤول بأخذ عبد الملك بن مروان للخلافة بالسيف، وامتد إلى سقوط الخلافة العثمانية؛ وقد تفاوتت هذه المرحلة في شدة تراجعها عن مبادئ تعاليم الدين المترل في خطابها السياسي في عصورها المختلفة؛ إلا أن أبرز ملامح هذه المرحلة ما يلي:
(1) - مسند أحمد (عالم الكتب) - (6/ 285) (18406) 18596 - صحيح
(2) - مصنف ابن أبي شيبة (7/ 260) (35877) صحيح