فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 232

لخطورته، بل كان الخوارج يحيطون بعبد الله بن الزبير وهو بمكة، ويصلون معه، ويناصرونه، ولم يتعرض لهم كما تعرض للسلطة عند انحرافها!

وقد أحيا عمر بن عبد العزيز سنة الخلفاء الراشدين في سياسة شئون الأمة، فبعد أن ُقرئ كتاب سليمان بن عبد الملك بعد وفاته سنة (99 هـ) وفيه العهد بالأمر إلى عمر بن عبد العزيز ابن عمه، قام عمر وخطب الناس فقال: (أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهَا اللَّهَ فِي سِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ قَطُّ، فَمَنْ كَرِهَ مِنْكُمْ فَأَمْرُهُ إِلَيْهِ. قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ذَاكَ وَاللَّهِ أسرع مما نكره ابسط يديك فَلْنُبَايِعْكَ. قَالَ: فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ بَايَعَهُ الْأَنْصَارِيُّ هَذَا.) [1] .

وعَنْ سَيَّارٍ أَبِي الْحَكَمِ قَالَ: كَانَ أَوَّلُ مَا أَنْكَرَ مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ لَمَّا دُفِنَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أُتِيَ بِدَابَّةِ سُلَيْمَانَ الَّتِي كَانَ يَرْكَبُ , فَلَمْ يَرْكَبْهَا وَرَكِبَ دَابَّتَهُ الَّتِي جَاءَ عَلَيْهَا , فَدَخَلَ الْقَصْرَ وَقَدْ مُهِدَتْ لَهُ فُرُشَ سُلَيْمَانَ الَّتِي كَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهَا , فَلَمْ يَجْلِسْ عَلَيْهَا , ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ , فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ , فَحَمِدَ اللَّهَ , وَأَثْنَى عَلَيْهِ , ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ , فَإِنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ نَبِيِّكُمْ نَبِيٌّ , وَلَا بَعْدَ الْكِتَابِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتَابٌ أَلَا إِنَّ مَا أَحَلَّ اللَّهُ حَلَالٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ , وَمَا حَرَّمَ اللَّهُ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ , أَلَا إِنِّي لَسْتُ بِقَاضٍ , وَلَكِنِّي مُنَفِّذٌ , أَلَا إِنِّي لَسْتُ بِمُبْتَدِعٍ وَلَكِنِّي مُتَّبِعٌ , أَلَا إِنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُطَاعَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ , أَلَا إِنِّي لَسْتُ بِخَيْرِكُمْ وَلَكِنِّي رَجُلٌ مِنْكُمْ غَيْرُ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَنِي أَثْقَلَكُمْ حِمْلًا , ثُمَّ ذَكَرَ حَاجَتَهُ" [2] "

فقد رد الأمر للأمة، واشترط رضا أهل الأمصار بإمامته، وإلا اعتزلها، لما يعلم من أن الحق لهم، لا يحل اغتصابه، وكذا لم يعهد إلى أحد من بعده اتباعا للسنة، وقد اجتهد في اتباع سيرة الخلفاء الراشدين؛ حتى عدّ واحدا منهم.

وهذا الانحراف والتراجع من أظهر معالم المرحلة الثانية وأبرز ملامحها، فكما تم استلاب حق الأمة الذي هو الأساس الرئيس في مفهوم الشورى في عهد الخلفاء الراشدين، تم كذلك تهميش دور الأمة في المشاركة في الرأي، بخلاف ما كان عليه الأمر في العهد الراشدي.

ولهذا كتب الحسن البصري - إمام التابعين - رسالة إلى عمر بن عبد العزيز في حثه على العمل بالشورى، عن حُمَيْدٍ قَالَ: أَمَلَّ عَلَيْنَا الْحَسَنُ رِسَالَةً إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَأَبْلَغَ، ثُمَّ شَكَا الْحَاجَةَ وَالْعِيَالَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ لا تُهَجِّنْ هَذَا الْكِتَابَ بِالْمَسْأَلَةِ، اكْتُبْ هَذَا فِي غَيْرِ ذَا، قَالَ: دَعْنَا مِنْكَ، فَأَمَرَ بِعَطَائِهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ اكْتُبْ إِلَيْهِ فِي الْمَشُورَةِ فَإِنَّ أَبَا قِلابَةَ قَالَ: كَانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِالْوَحْيِ، فَمَا مَنَعَهُ ذَلِكَ أَنْ أَمَرَهُ اللَّهُ بِالْمَشُورَةِ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَكَتَبَ بِالْمَشُورَةِ، فَأَبْلَغَ فِيهَا أَيْضًا. [3] .

(1) - المعرفة والتاريخ (1/ 617)

(2) - الطبقات الكبرى ط دار صادر (5/ 340) صحيح

(3) - تاريخ الإسلام ت تدمري (7/ 198) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت