فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 232

العقل بدعوى اتباع النقل؟! ويدعو إلى الخضوع والعبودية للرؤساء والملوك والعلماء باسم طاعة أولي الأمر؟!!! وإلى الطبقية بدعوى أهل الحل والعقد؟! وإلى الاستسلام بدعوى القضاء والقدر؟!!

لقد كان شيوع موجة الإلحاد في العالم الإسلامي في القرن الماضي بانتشار الشيوعية والليبرالية والقومية، ردة فعل طبيعية بعد غياب الخطاب السياسي الشرعي الممثل لتعاليم الإسلام المترل، وسيطرة الخطاب السياسي الشرعي المبدل الذي أضفى الشرعية على استبداد السلطان، وانحرافاته، وفساده، ومصادرته لحريات الشعوب والأفراد وحقوقهم بما لا عهد للأمة به حتى في أسوأ فترات المرحلة الثانية، مع غياب دور العلماء والمصلحين المؤثرين في تلك الفترة، لقد تم باسم التأويل تبديل الدين وأحكامه شيئا فشيئا تارة بدعوى المصلحة، وتارة بدعوى الضرورة، وما زال الواقع يفرض مفاهيمه حتى لم يبق من الإسلام إلا اسمه ولا من الشرع إلا رسمه؟!

لقد تصدى كثير من العلماء لهذا الانحراف في الخطاب السياسي، إلا أن دعوتهم لم تخرج عن دائرة العودة إلى الخطاب السياسي الشرعي المؤول، لقد تم التصدي للدعوة التي تدعو إلى إلغاء تطبيق الشريعة، وإبطال الخلافة ... إلخ، إلا أن أحدا لم يدع دعوة صريحة إلى عودة الأمة إلى الخطاب السياسي الشرعي المترل، كما كان عليه المسلمون في العصر الأول برد الأمر شورى، تختار الأمة فيه من يسوس أمرها، ولا يقطع أمرا دونها، ولا يتصرف في مالها إلا عن إذنها.

لقد كانت أول حركة إصلاحية في العالم الإسلامي هي حركة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب [1] ، الذي أدرك خطورة الوضع الذي وصل إليه المسلمون، فرأى وجوب العمل

(1) - محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي: زعيم النهضة الدينية الإصلاحية الحديثة في جزيرة العرب. ولد ونشأ في العيينة (بنجد) ورحل مرتين إلى الحجاز، فمكث في المدينة مدة قرأ بها على بعض أعلامها. وزار الشام. ودخل البصرة فأوذي فيها. وعاد إلى نجد، فسكن (حريملاء) وكان أبوه قاضيها بعد العيينة. ثم انتقل إلى العيينة، ناهجا منهج السلف الصالح، داعيا إلى التوحيد الخالص ونبذ البدع وتحطيم ما علق بالإسلام من أوهام. وارتاح أمير العيينة عثمان بن حمد بن معمر إلى دعوته فناصره، ثم خذله، فقصد الدرعية (بنجد) سنة 1157 هـ فتلقاه أميرها محمد بن سعود بالإكرام، وقبل دعوته وآزره كما آزره من بعده ابنه عبد العزيز ثم سعود بن عبد العزيز، وقاتلوا من خلفه، واتسع نطاق ملكهم فاستولوا على شرق الجزيرة كله، ثم كان لهم جانب عظيم من اليمن. وملكوا مكة والمدينة وقبائل الحجاز. وقاربوا الشام ببلوغهم (المزيريب) . وكانت دعوته، وقد جهر بها سنة 1143 هـ (1730 م) الشعلة الأولى لليقظة الحديثة في العالم الإسلامي كله: تأثر بها رجال الإصلاح في الهند ومصر والعراق والشام وغيرها، فظهر الآلوسي الكبير في بغداد، وجمال الدين الأفغاني بأفغانستان، ومحمد عبده بمصر، وجمال الدين القاسمي بالشام، وخير الدين التونسي بتونس، وصديق حسن خان في بهوبال، وأمير علي في كلكتة، ولمعت أسماء آخرين.

وعُرف من والاه وشد أزره في قلب الجزيرة بأهل التوحيد (إخوان من أطاع الله) وسماهم خصومهم بالوهابيين (نسبة إليه) وشاعت التسمية الأخيرة عند الأوربيين فدخلت معجماتهم الحديثة، وأخطأ بعضهم فجعلها (مذهبا) جديدا في الإسلام، تبعا لما افتراه خصومه، ولاسيما دعاة من كانوا يتلقبون بالخلفاء من الترك (العثمانيين) .

ومن أقدم ما كتب عن جزيرة العرب بعد قيامه تاريخ الوهابيين، تأليف ل أ. طبع بباريس سنة 1810 م، أي بعد وفاة الشيخ بثماني عشرة سنة. وكانت وفاته في (الدرعية) وحفداؤه اليوم يعرفون ببيت (الشيخ) ولهم مقام رفيع عند آل سعود. وله مصنفات أكثرها رسائل مطبوعة، منها (كتاب التوحيد) ورسالة (كشف الشبهات) و (تفسير الفاتحة) و (أصول الإيمان) و (تفسير شهادة أن لا إله إلا الله) و (معرفة العبد ربه ودينه ونبيه) و (المسائل التي خالف فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل الجاهلية) أكثر من مائة مسألة، و (فضل الإسلام) و (نصيحة المسلمين) و (معنى الكلمة الطيبة) و (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) و (مجموعة خطب) و (مفيد المستفيد) و (رسالة في أن التقليد جائز لا واجب) و (كتاب الكبائر) وأكثر هذه الكتب مطبوع متداول. وفي تاريخ (ابن غنام) رسائل بعث بها الشيخ إلى أهل البلاد النجدية والأقطار الإسلامية. ومما كتب في سيرته (محمد بن عبد الوهاب - ط) لأحمد عبد الغفور عطار"الأعلام للزركلي (6/ 257) وانظر: موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية (9/ 1) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت