الجماعي للتصدي للانحرافات وتحقيق الإصلاح، بعد قرون طويلة من شيوع الخطاب المؤول، الذي يوكل مهمة الإصلاح بالقوة إلى السلطة دون غيرها، مهما كانت هذه السلطة عاجزة أو فاسدة؟!!
لقد بدأ الشيخ محمد بدعوته الإصلاحية، فكانت أول تهمة توجه له هو أنه يهدف إلى إثارة الناس على السلطة ليثوروا عليها ويعلنوا عصيانهم، وأن له أهداف سياسية؟!!
لقد جدّ الشيخ (1153 هـ) بإحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (فذاع ذكره، وأتى إليه ناس كثيرون، وانتظم حوله جماعة اقتدوا به، واتبعوا طريقه، ولازموه ... ، وانقسم الناس فيه فريقين: فريق تابعه وعاهد على ما دعا إليه، وفريق عاداه وحاربه وأنكر عليه) [1] .
لقد تجاوز الشيخ محمد إشكالية حق السلطة والدولة في الإصلاح والتغيير دون غيرها؛ وهو ما شاع في الخطاب السياسي المؤول قرونا طويلة حتى شاع المنكر وتعطلت الشريعة، كما أدرك الشيخ أن ما يصبو إليه لا يتحقق إلا بعمل جماعي، ولهذا بايعه أتباعه وعاهدوه منذ بداية الدعوة في بلده حريملاء قبل ذهابه إلى الدرعية ومقابلة أميرها محمد بن سعود.
وبعد خروجه من العيينة سنة 1587 وذهابه إلى الدرعية واجتماعه مع الأمير محمد بن سعود، تجلى خطابه السياسي التجديدي، حيث قابله الأمير ب (الإكرام والتبجيل، وأخبره أنه يمنعه بما يمنع به نساءه وأولاده. وما دعا إليه، وما كان عليه صحابته-"فأخبره الشيخ بما كان عليه رسول الله - رضي الله عنهم - م - من بعده، وما أمروا به وما نهوا عنه، وأن كل بدعة ضلالة، وما أعزهم الله به بالجهاد في سبيل الله وأغناهم به وجعلهم إخوانا. ثم أخبره بما عليه أهل نجد في زمنه من مخالفتهم لشرع الله وسنة رسوله بالشرك بالله تعالى والبدع والاختلاف والظلم .."
فلما تحقق الأمير محمد بن سعود معرفة التوحيد، وعلم ما فيه من المصالح الدينية والدنيوية، قال له: (يا شيخ إن هذا دين الله ورسوله الذي لا شك فيه، فأبشر بالنصرة لك ولما أمرت به، والجهاد لمن خالف التوحيد؛ ولكن أريد أن أشترط عليك اثنتين: نحن إذا قمنا في نصرتك، والجهاد في سبيل الله، وفتح الله لنا ولك البلدان أخاف أن ترتحل عنا
(1) - انظر تاريخ نجد للشيخ ابن غنام تلميذ الشيخ الإمام ص 85
ولاحظ تكرار الاتهام ذاته لكل من تصدى لانحراف السلطة ودعا إلى الإصلاح؟!