فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 232

وتستبدل بنا غيرنا؛ والثانية أن لي على الدرعية قانونا [1] آخذه منهم وقت الّثمار، وأخاف أن تقول: لا تأخذ منهم شيئا؟ فقال الشيخ: أما الأولى فابسط يدك: الدم بالدم والهدم بالهدم، وأما الثانية فلعل الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك الله من الغنائم ما هو خير منهم. فبسط الأمير محمد يده وبايع الشيخ على دين الله ورسوله، والجهاد في سبيله، وإقامة شرائع الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فقام الشيخ ودخل معه البلد واستقرّ عنده ... ) [2] .

لقد احتاج الإمام محمد بن عبدالوهاب في هذا اللقاء إلى إعادة الخطاب السياسي النبوي في العهد المكي واستدعائه، لشيوع الخطاب المؤول الذي لم يعهد الناس سواه؛ والذي يجعل هذه المهمة للدولة لا للأمة، مما اضطر الشيخ محمد إلى التذكير ببدء الدعوة الإسلامية في مكة، وكيف تحقق النصر لها بإقامة الدولة في المدينة وإقامة الجهاد لتحقيق هذا المشروع الإصلاحي.

لقد كان الشيخ واضحا في سعيه إلى إقامة دولة تقيم هذا الدين؛ إذ لا يمكن أن يقوم دين خصوصا الإسلام بلا دولة تقيم أحكامه وشرائعه، لقد استنّ الشيخ محمد بن عبدالوهاب بالنبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بالبيعة التي أخذها من الأمير، واستخدم الكلمة التي استخدمها النبي - صلى الله عليه وسلم -"أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ"قَالَ: فَأَخَذَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ - رضي الله عنهم - بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَنَمْنَعَنَّكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا يَا رَسُولَ اللهِ فَبَايِعْنَا، فَنَحْنُ وَاللهِ أَهْلُ الْحُرُوبِ وَأَهْلُ الْحَلْقَةِ وَرِثْنَاهَا كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، فَاعْتَرَضَ الْقَوْلَ وَالْبَرَاءُ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيْهَانِ حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ النَّاسِ حِبَالًا، وَإِنَّا قَاطِعُوهَا، فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ نَحْنُ فَعَلْنَا ذَلِكَ ثُمَّ أَظْهَرَكَ اللهُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى قَوْمِكَ وَتَدَعَنَا؟ قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَقَالَ:"بَلِ الدَّمُ بِالدَّمِ وَالْهَدْمُ بِالْهَدْمِ، أَنَا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنِّي، دَمِي مَعَ دِمَائِكُمْ، وَهَدْمِي مَعَ هَدْمِكُمْ، أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ، وَأُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ" [3]

فالقضية قضية إقامة دولة لا وجود لها آنذاك، وإقامة دين اندرست معالمه، وما يحتاجه ذلك من تضحيات وجهد مادي ومعنوي، خصوصا المواجهة الفكرية التي سوف تكون بين الخطاب السياسي المؤول الذي سيستخدمه أعداء الدولة الجديدة داخل نجد والجزيرة وخارجها، والخطاب السياسي الراشدي الذي سيحتاج الشيخ محمد استدعاءه وإحياءه من جديد لمواجهة الخطاب المؤول.

(1) - هو ما يدفعه الضعيف للقوي ليحميه ويدافع عنه

(2) - المصدر السابق

(3) - أخبار مكة للفاكهي (4/ 237) (2542) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت