هَذَا وَلَا شكّ أَن الْحُرِّيَّة اعز شَيْء على الْإِنْسَان بعد حَيَاته، وَأَن بفقدانها تفقد الآمال، وَتبطل الْأَعْمَال، وَتَمُوت النُّفُوس، وتتعطل الشَّرَائِع، وتختل القوانين. وَقد كَانَ فِينَا راعي الخرفان حرا لَا يعرف للْملك شنئانا، يُخَاطب أَمِير الْمُؤمنِينَ بيا عمر وَيَا عُثْمَان، فصرنا رُبمَا نقْتل الطِّفْل فِي حجر أمه ونلزمها السُّكُوت فتسكت، وَلَا تجسر أَن تزعج سمعنَا ببكائها عَلَيْهِ.
وَكَانَ الجندي الْفَرد يُؤمن جَيش الْعَدو فَلَا يخفر لَهُ عهد، فصرنا نمْنَع الْجَيْش الْعَظِيم صَلَاة الْجُمُعَة وَالْعِيدَيْنِ، ونستهين دينه لَا لحَاجَة غير الفخفخة الْبَاطِلَة (مرحى) . فلمثل هَذَا الْحَال لَا غرو أَن تسأم الْأمة حَيَاتهَا فيستولي عَلَيْهَا الفتور، وَقد كرت الْقُرُون وتوالت الْبُطُون وَنحن على ذَلِك عاكفون، فتأصل فِينَا فقد الآمال وَترك الْأَعْمَال والبعد عَن الْجد والارتياح إِلَى الكسل والهزل، والانغماس فِي اللَّهْو تسكينًا لآلام أسر النَّفس، والإخلاد إِلَى الخمول والتسفل طلبا لراحة الْفِكر المضغوط عَلَيْهِ من كل جَانب. إِلَى أَن صرنا ننفر من كل الماديات والجدّيات حَتَّى لَا نطيق مطالعة الْكتب النافعة وَلَا الإصغاء إِلَى النَّصِيحَة الْوَاضِحَة، لِأَن ذَلِك يذكرنَا بمفقودنا الْعَزِيز، فتتألم أَرْوَاحنَا وتكاد تزهق إِذا لم نلجأ إِلَى التناسي بالملهيات والخرافات المروحات وَهَكَذَا ضعف إحساسنا وَمَاتَتْ غيرتنا، وصرنا نغضب ونحقد على من يذكرنَا بالواجبات الَّتِي تقتضيها الْحَيَاة الطّيبَة، لعجزنا عَن الْقيام بهَا عَجزا واقعيًا لَا طبيعيًا.
هَذَا ونعترف أَن فِينَا بعض أَقوام قد ألفوا أُلُوف سِنِين الاستعباد والاستبداد، والذل والهوان، فَصَارَ الانحطاط طبعا لَهُم تؤلمهم مُفَارقَته؛ وَهَذَا هُوَ سَبَب أَن السوَاد الْأَعْظَم من الهنود والمصريين والتونسيين لَا سِيمَا بعد أَن نالوا رغم أنوفهم الْأَمْن على الْأَنْفس وَالْأَمْوَال، وَالْحريَّة فِي الآراء والأعمال، وَلَا يَرِثُونَ وَلَا يتوجعون لحالة الْمُسلمين فِي غير بِلَادهمْ، بل ينظرُونَ للناقمين على أمرائهم الْمُسلمين شذرا، وَرُبمَا يعتبرون طالبي الْإِصْلَاح من المارقين من الدّين، كَأَن مُجَرّد كَون الْأَمِير مُسلما يُغني عَن كل شَيْء حَتَّى عَن الْعدْل، وَكَأن طَاعَته وَاجِبَة على الْمُسلمين، وَإِن كَانَ يخرب بِلَادهمْ وَيقتل أَوْلَادهم ويقودهم ليسلمهم لحكومات أَجْنَبِيَّة، كَمَا جرى ذَلِك قبلا مَعَهم، وَالْحَاصِل أَن فَقدنَا الْحُرِّيَّة هُوَ سَبَب الفتور والتقاعس عَن كل صَعب وميسور.) [1] .
وهذا ما توصل إليه أيضا رشيد رضا في كتاباته في مجلة المنار، وقد كانت حركة الشيخ حسن البنا [2] هي امتداد وصدى لهذه الحركة الإصلاحية التي عمت في الشرق كله - وقد
(1) - أم القرى (ص: 31)
(2) - حسن بن أحمد بن عبد الرحمن البنا: مؤسس جمعية (الإخوان المسلمين) بمصر، وصاحب دعوتهم، ومنضم جماعتهم. ولد في المحمودية (قرب الإسكندرية) وتخرج بمدرسة دار العلوم بالقاهرة، واشتغل بالتعليم، فتنقل في بعض البلدان متعرفا إلى أهلها، مختبرا طباعهم وعاداتهم. واستقر مدرسا في مدينة الإسماعيلية، فاستخلص أفرادا صارحهم بما في نفسه، فعاهدوه على السير معه (لإعلاء كلمة الإسلام) واختار لنفسه لقب (المرشد العام) فأقاموا بالإسماعيلية أول دار (للإخوان) وبادروا إلى إعلان (الدعوة) بالدروس والمحاضرات والنشرات، وانفرد هو بزيارة المدن الأخرى. ثم كان يوجه بعض ثقاته في رحلات. فما عتم أن أصبح له في كل بلد سعى إليه دار، و (دار الإسماعيلية) مركز قيادة الدعوة. ولم يقتصر على دعوة الرجال، فأنشأ في الإسماعيلية (معهد أمهات المسلمين) لتربية البنات تربية دينية صالحة، ونُقل (مدرسا) إلى القاهرة، فانتقل معه (المركز العام ومقرّ القيادة) ولقي فيها إقبالا على دعوته. وعظم أمر (الإخوان) وناهز عددهم نصف مليون. وخشي رجال السياسة في مصر اصطدامهم بهم، فحاولوا إبعادهم عن (السياسة) فقام الشيخ يعرّف الإسلام في إحدى خطبه الكثيرة، بأنه (عقيدة وعبادة ووطن وجنسية وسماحة وقوة وخلق ومادة وثقافة وقانون) وأنشأ بالقاهرة جريدة (الإخوان المسلمين) يومية، فكانت منبره الكت أبي إلى جانب منابره الخطابية. وحدثت كارثة فلسطين، فكانت (كتيبة) الإخوان المسلمين فيها، من أنشط الكتائب المتطوعة. ونودي بالهدنة، وفي أيدي (الإخوان) سلاح دُرّبوا على استعماله، وادَّخروه للملمات، فحدثت في القاهرة والإسكندرية أحداث إرهابية عجزت السلطات القائمة عن معالجتها، فلجأ رئيس الوزارة (محمود فهمي النقراشي) إلى إقفال أندية (الإخوان) ومطاردة البارزين منهم، واعتقال الكثيرين، والتضييق على زعيمهم (البنا) فتحولوا إلى (خلايا) سرية، تعمل في الخفاء. وتصدى أحدهم إلى النقراشي، فاغتاله جهرة، أمام حرسه وجنده. ولم يمض وقت طويل حتى تصدى له ثلاثة أشخاص وهو أمام مركز (جمعية الشبان المسلمين) في القاهرة، ليلا، فأطلقوا عليه رصاصهم وفروا. ولم يجد البنا من يضمد جراحة، فتوفي بعد ساعتين. وكان خطيبا فياضا، ينحو منحى الوعظ والإرشاد، في خطبه، وتدور آيات القرآن الكريم على لسانه، منظِّمًا، يعمل في هدوء ويبني في اطمئنان. له مذكرات نشرت بعد وفاته باسم (مذكرات الدعوة والداعية) وكُتب في سيرته (روح وريحان، من حياة داع ودعوة - ط) لأحمد أنس الحجاجي. الأعلام للزركلي (2/ 183)