وقع حسن البنا فيما وقع فيه الأفغاني من حسن الظن بالسلطة [1] - غير أن الاستعمار كان لهذه النهضة بالمرصاد؛ إذ سرعان ما وقع ما حذر منه الأفغاني، وسقطت الخلافة الإسلامية التي طالما حاول الأفغاني جاهدا أن يجمع المسلمين حولها، وطالما حاول أن تقوم هي بإصلاح نفسها ليلتف المسلمون حولها، غير أن كل ذلك لم يكن، وكان الاستعمار قد انتهى من تقسيم تركة رجل أوربا المريض.
لقد تحالف الاستعمار - المتمثل في إنجلترا - والاستبداد المتمثل بالخليفة العثماني، وشاه إيران، وخديوي مصر، وملك أفغانستان لمواجهة حركة النهضة وفكرها الإصلاحي وكما تم القضاء على الدولة الوهابية في نجد بعد تحالف الفريقين، كذلك تم القضاء على حركة جمال الدين الأفغاني بالتخلص منه بعد أن تم استدعاؤه إلى إستنبول، ووضعه تحت الإقامة الجبرية حتى مرض وتوفى في ظروف غامضة؟!
إلا أن صدى حركة الأفغاني كان هو السبب الرئيس في بعث روح الأمة من جديد لمواجهة الاستعمار الغربي؛ إذ قام أتباعه في كل مكان يستنهضون همم المسلمين للتصدي للاستعمار وإخراجه من الشرق الإسلامي، وقامت الثورات في كل مكان، وخرج الاستعمار العسكري، غير أن الخطاب السياسي الذي فرض نفسه لم يكن الخطاب السياسي الذي دعا إليه جمال الدين الأفغاني، وهو الملكيات الدستورية الشورية، بل أنظمة عسكرية أشد استبدادا من الأنظمة البالية، وجدت ضالتها في الخطاب السياسي المبدل، الذي روج له الشيخ الأزهري علي عبد الرازق في كتابه: (الإسلام ونظام الحكم) ... ، ولم يكن يهدف في كل ما كتبه إلا إلى تحقيق غرض من دفعوه للكتابة في هذا الموضوع؛ إذ كان للخديوي غرض في إثبات هذه النظرية [نظرية نسف وهدم موضوع الخلافة من أصله ونسف القضاء الإسلامي] لأسباب
(1) - وقد دعا الشيخ حسن البنا الملك فاروق أن يجعل من نفسه خليفة للمسلمين! وأكد بيعة الجماعة له مع أن الملك لم يكن سوى دمية بيد الإنجليز؟!! - كما. في (مذكرات الدعوة والداعية) ص 235