الدِّينِ، وَوُجُوهِ الْجَيْشِ فيما يتعلق بالحرب، وجوه والناس فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَصَالِحِ، وَوُجُوهِ الْكُتَّابِ وَالْوُزَرَاءِ وَالْعُمَّالِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَصَالِحِ الْبِلَادِ وَعِمَارَتِهَا. [1] .
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالشُّورَى مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ وَعَزَائِمِ الْأَحْكَامِ، مَنْ لَا يَسْتَشِيرُ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالدِّينِ فَعَزْلُهُ وَاجِبٌ. هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ. وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ:"وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ" [الشورى: 38] . [2] أي: بين علماء الأندلس، أو بين فقهاء مذهب مالك.
ولعل هذا هو السبب في التزام بعض الخلفاء والملوك في الأندلس والمغرب بالعمل بالشورى لوجوبها في رأي الفقهاء في تلك الأمصار؛ في الوقت الذي لم يعد في المشرق من يرى مثل هذا الرأي، وما ذاك إلا لشيوع القول بين علماء المشرق باستحباب الشورى وعدم وجوبها، وهو ما أدى إلى استخفاف كثير من الخلفاء بها، وعدم الالتزام والعمل بها، بخلاف الحال في الأندلس والمغرب.
لقد كان كثير من الخلفاء والملوك أهل صلاح وعدل وفضل، وحرص على اتباع أحكام الشرع وتنفيذها، غير أنهم لم يجدوا عند علماء عصرهم وفقهائه سوى الخطاب السياسي الشرعي المؤول، الذي همش موضوع الشورى واختزله أسوأ اختزال، مما أدى إلى شيوع ظاهرة (العادل المستبد) في الشرق الإسلامي.
فكما تم تهميش دور الأمة في هذه المرحلة في المشاركة في الرأي في إدارة الشئون السياسية، كذلك تم استلاب حقها في الرقابة على بيت المال وتنظيم الشئون الاقتصادية، وإذا كان الصحابة في عهد الخلفاء الراشدين هم الذين يفرضون للخليفة ما يحتاجه من بيت المال بحسب حاجته، ولا يتصرف فيه إلا بعد مشاورتهم ومعرفة رأيهم، مع جعل مفاتيح المال مع من يرتضونه وزيرا للمالية، فإن الحال قد تغير بعد العهد الراشدي؛ فصار الخليفة يتصرف في بيت المال بذلا، ومنعا، بلا حسيب ولا رقيب إلا من ضميره! وأصبح له مطلق الحرية في ذلك.
وقد بدأ هذا الانحراف منذ العهد الأموي، عَنْ مُعَاوِيَةَ، وَصَعَدَ الْمِنْبَرَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، فَقَالَ عِنْدَ خُطْبَتِهِ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الْمَالَ مَالُنَا، وَالْفَيْءَ فَيْئُنَا، مَنْ شِئْنَا أَعْطَيْنَا، وَمَنْ شِئْنَا مَنَعْنَا، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَلَمَّا كَانَتِ الْجُمْعَةُ الثَّانِيَةُ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَلَمَّا كَانَتِ الْجُمْعَةُ الثَّالِثَةُ قَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: كَلا، إِنَّمَا الْمَالُ مَالُنَا وَالْفَيْءُ فَيْئُنَا، مَنْ حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ حَكَّمْنَاهُ إِلَى اللَّهِ بِأَسْيَافِنَا. فَنَزَلَ مُعَاوِيَةُ، فَأَرْسَلَ إِلَى الرَّجُلِ، فَأُدْخِلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ الْقَوْمُ: هَلَكَ، فَفَتَحَ مُعَاوِيَةُ الأَبْوَابَ، وَدَخَلَ النَّاسُ، فَوَجَدُوا الرَّجُلَ مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا أَحْيَانِي أَحْيَاهُ اللَّهُ، سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وَسَلَّمَ يَقُولُ: «سَتَكُونُ أَئِمَّةٌ مِنْ
(1) - تفسير القرطبي (4/ 250)
(2) - تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (1/ 534) وتفسير القرطبي (4/ 249)