بَعْدِي. يَقُولُونَ فَلا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُمْ، يَتَقَاحَمُونَ فِي النَّارِ تَقَاحُمَ الْقِرَدَةِ»، وَإِنِّي تَكَلَّمْتُ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ أَحَدٌ، فَخَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مِنْهُمْ، ثُمَّ تَكَلَّمْتُ الثَّانِيَةَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلِيَّ أَحَدٌ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: إِنِّي مِنَ الْقَوْمِ، ثُمَّ تَكَلَّمْتُ الْجُمْعَةَ الثَّالِثَةَ، فَقَامَ هَذَا فَرَدَّ عَلَيَّ فَأَحْيَانِي أَحْيَاهُ اللَّهُ، فَرَجَوْتُ أَنْ يُخْرِجَنِيَ اللَّهُ مِنْهُمْ، فَأَعْطَاهُ وَأَجَازَهُ. [1]
وعَنْ سَعْدٍ، قَالَ: جَاءَ الْحَارِثُ بْنُ الْبَرْصَاءِ وَهُوَ فِي السُّوقِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ، إِنِّي سَمِعْتُ مَرْوَانَ يَزْعُمُ أَنَّ مَالَ اللَّهِ مَالُهُ مَنْ شَاءَ أَعْطَاهُ، وَمَنْ شَاءَ مَنَعَهُ، فَقَالَ لَهُ: «أَنْتَ سَمِعْتَهُ يَقُولُ ذَلِكَ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ سَعِيدٌ: فَأَخَذَ بِيَدِي سَعْدٌ وَبِيَدِ الْحَارِثِ حَتَّى دَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ، فَقَالَ: «يَا مَرْوَانُ، أَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ مَالَ اللَّهِ مَالُكَ، مَا شِئْتَ أَعْطَيْتَهُ وَمَنْ شِئْتَ مَنَعْتَهُ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَأَدْعُو» وَرَفَعَ سَعْدٌ يَدَيْهِ، فَوَثَبَ إِلَيْهِ مَرْوَانُ وَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَنْ تَدْعُوَ هُوَ مَالُ اللَّهِ مَنْ شَاءَ أَعْطَاهُ وَمَنْ شَاءَ مَنَعَهُ" [2] ."
وقد اشترط معاوية لما أراد البيعة ليزيد قال: (وَيزِيد ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ أخوكم وَابْن عمكم وَأحسن النَّاس فِيكُم رَأيا وَإِنَّمَا أردْت أَن تقدموه باسم الْخلَافَة وتكونون أَنْتُم الَّذين تنزعون وتؤمرون وتجبون وتقسمون لَا يدْخل عَلَيْكُم فِي شَيْء من ذَلِكَ) [3] .
قال الأمير صديق خان: (الخليفة فرد من أفراد المسلمين، له حق في بيت مالهم كسائر الناس، فيأخذ منه ما يأخذه من هو مماثل له في الدرجة، وله مزيد خصوصية وهي قيامه بمصالح لا ينهض للقيام بها غيره، وله أجرة عمله في بيت المال، فإن الله سبحانه قد سوغ للعامل على الصدقة أن يأخذ نصيبا منها، فكذلك الأجرة له بحسب ما يستحقه من الأجرة، فإذا أراد الخلوص من المآثم أخذ لنفسه عند تفريق عطيات المسلمين مثل نصيب من يشابهه في شجاعة وجهاد وعلم بحسب تعدد أسباب الاستحقاق، ثم بعد ذلك يأخذ أجرته، ويجعل لنفسه من الأهل والخدم بمقدار ما يحتاج إليه، لا بمقدار ما تشتهيه نفسه) [4]
وقد أجمع المسلمون على أن المال في بيت مال المسلمين حق للأمة، ليس للإمام أن يتصرف فيه إلا بحسب المصارف التي حددها الشرع، وبما يحقق مصلحة المسلمين العامة، ولا يحل له من بيت المال إلا بقدر حاجته وأجرة مثله.
والقول بأن بيت المال ملك للمسلمين كافة، وأنه لا يتصرف فيه الإمام إلا بحسب ما ورد في الشرع، من صرفه في مصالح المسلمين العامة، وقسمة بين مستحقيه ولكل مسلم حق فيه: هو محل إجماع بين الفقهاء من جميع المذاهب؛ حتى قيل بأن من اعتقد بأن المال الذي في بيت المال للسلطان أنه يكفر بهذا الاعتقاد! كما هو مذكور في كتب الأحناف.
(1) - تاريخ الإسلام ت تدمري (4/ 314) حسن
(2) - المستدرك على الصحيحين للحاكم (3/ 572) (6124) صحيح
(3) - تاريخ خليفة بن خياط (ص: 216)
(4) - إكليل الكرامة ص 127 - 128