لأعمال أنقرة، فحصل على مراده، لأنهم على إيغالهم في الشطط كانوا يقصرون على الطعن في خلافة الخلفاء المتأخرين، ولا يطوف ببالهم مهما أعوزوا الإنصاف، الطعن في خلافة الخلفاء الراشدين المنصوصة في حديث: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة) ، فإذا الأستاذ المؤلف يبدأ الطعن من خلافة أبي بكر.
واليوم أقول في كتابي هذا: ليس لأحد من عقلاء الشرق والغرب شك في كون حكومة أبي بكر وعمر مثلا أعلى للحاكم الصالح العادل الذي يراعى حقوق الأمة ويسعى في مصالحها أكمل مراعاة ومسعاة ... حتى إن عمر يوصي الناس من على منبر الخطبة أن يقيموه إذا رأوا في حكمه أي عوج فيقوم رجل ويقول: إنا نقيمه بالسيف.
فيحمد الله عمر على وجود ذلك القائل في شعبه، وكنا نحن المسلمين نحمل كمال حكومة الشيخين في الصلاح والفلاح على اهتمامها بأحكام الإسلام وعلى كمال، حتى إن أبا بكر حارب لتنفيذ قانون إسلامي يجعل في مال"اقتفائهما آثار النبي الغني حقا معلوما للفقير. وبالاختصار كنا نعرف سر أفضلية حكومتي الشيخين من فضل الدين الذي أتى به النبي العربي، لكن الأستاذ يحاول في قطع صلة فضائلهما الظاهرة الباهرة بالإسلام، أن لا يعترف بفضل الدين الإسلامي في سمو حكم هذين الرجلين العظيمين الذي يشهد العالم بكونهما مثال الحكم السامي الإنساني" [1]
كما تصدى العلامة أحمد شاكر - القاضي الشرعي - لهذا الخطاب الجديد في كتابه (الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين في مصر) ، ورد فيه على عبد العزيز فهمي باشا في قوله: (إن الدين لله، أما سياسة الإنسان فللإنسان) ،حيث قال: (والقرآن مملوء بأحكام وقواعد جليلة، في المسائل المدنية والتجارية، وأحكام الحرب والسلم، وأحكام القتال والغنائم والأسرى، وبنصوص صريحة في الحدود والقصاص. فمن زعم أنه دين عبادة فقط فقد أنكر كل هذا، وأعظم على الله الفرية، وظن أن لشخص كائنا من كان، أو لهيئة كائنة من كانت، أن تنسخ ما أوجب الله من طاعته والعمل بأحكامه. ما قال هذا مسلم ولا يقوله، ومن قاله فقد خرج عن الإسلام جملًة، ورفضه كله، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم. إنهم كانوا يدورون حول هذا المعنى ويجمجمون ولا يصرحون، حتى كشف هذا الرجل عن ذات نفسه، وأخشى أن يكون قد كشف عما كانوا يضمرون، ولكني لا أحب أن أجزم في شأنهم، فلسنا نأخذ الناس بالظِّنة، وحسابهم بين يدي الله يوم القيامة. وأعجب ما في الأمر أن يسأل معالي الباشا السيد محب الدين الخطيب:(هل يرى في تلك النظم والقوانين ما يخالف شيئا من عقائد المسلمين، أو يعطل فرضا من فرائض الدين؟) وسُأجيبه أنا جوابا حاسما: نعم، إن القوانين الأفرنجية والنظم الأوروبية، فيها كثير مما يخالف عقائد المسلمين، وفيها تعطيل
(1) - موقف العقل والعلم) 4 - 358/ 375