هي بالنسبة إلى حرب دينية يقصد بها إعلاء كلمة الله وسوق الناس إلى ما يرشدهم ويسعدهم في الدارين، فضلا عن أن المحارب لله تمنعه مخافة الله عن أن يظلم في الحرب، وتجعل له فيها حدودا لا يجاوزها، أثناء المحاربة ولا بعد انتهائها بالغلبة، وهذه الحدود لا تشبه ما يسمى حقوق الدول التي هي ملعبة في أيدي المتحاربين لاسيما في يد الغالب.
فقد كان المسلمون الذين يحاربون لنشر الهداية الإسلامية يذهبون إلى البلاد التي فتحوها بكل خير ونعمة، فيتخذون الداخلين في دينهم إخوانا لهم متساوين في المرتبة والشرف، لا مزية لأحد على الآخر من المسلمين القدماء الغالبين أو الجدد المغلوبين إلا بالتقى، ويقولون عن غير الداخلين إلى دينهم: لهم ما لنا وعليهم ما علينا ما داموا يؤدون الجزية، وهي ضريبة غير مثقلة، ترمي إلى الاستمرار في حث أهل الذمة على الإسلام.
ولينظر الأستاذ ما فعلت الدول العصرية الغالبة، سواء كانت في الحرب العالمية الأولى والثانية أو فيما قبلهما من الحروب بالمغلوبين، وما لا تزال تفعل مجتهدة في امتصاص ما عندهم من المنافع. ولا يمكن أحد من أفراد الأمم المغلوبة بأي وسيلة من الوسائل أن يرتقي إلى درجة تساوي درجة الغالبين، فينظروا إليه نظرهم إلى واحد منهم، ويحبوه كما يحبون واحدا منهم، وليس بمتصور مثلا أن يكون نظر الإنجليز إلى أحد من المصريين أو الهنديين كنظرهم إلى واحد من الإنجليز، ومكانه في قلوبهم كمكانه فيها.
فإنا نعود إلى الأستاذ المؤلف الذي ضاقت عليه السبل في تعليل محاربات حارب لتأييد ملكه وحكومته فلا ملك له ولا حكومة، وإن حارب لتأييد دينه فلا لتأييد زعامته لأمته"يحارب للدين عند الأستاذ. ثم لاح له أن تكون محاربات النبي وتقوية سلطته على الناس المبعوث إليهم لدعوتهم إلى الإيمان بالله وحده، تلك السلطة التي يلزم ألا يعوزها الأنبياء، وأن يكونوا من ناحيتها أقوى وأملك من الملوك."
كان غاية في الإغراب ادعاء أن يكون رئيس حكومة المسلمين الذي جرت العادة في صدر الإسلام على كونه هو إمامهم أيضا في الصلوات الخمس والذي كان في شخص أبي بكر، مستدلا من استخلافه في مرض موته"تعيينه بعد رسول الله لأن يصلي بالناس نيابة عنه، والذي قال - رضي الله تعالى عنه - في خطبته للناس بعد مبايعته: (أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم) ... غاية في الإغراب والشذوذ ادعاء أن يكون رئيس حكومة كهذا رئيس حكومة لا دينية، فهل رأيتم أو سمعتم حكومة زمنية لا علاقة لها بالدين تدور رئاستها مع الإمامة في الصلاة؟"
إن الأستاذ المؤلف غير ممكن أن لا يعرف هذه البديهيات، ولا يعرف أن رمي حكومات أبي بكر وعمر وعثمان وعلي باللادينية مكابرة متناهية، إلا أن الأستاذ كتب كتابه تأييدا لصنع أنقرة في إلغائها الخلافة، وإن لم يصرح في كتابه بهذا التأييد كما قلنا من قبل أيضا - وأراد أن يضرب الرقم القياسي فيبتز بطولة الاستهتار الجدلي من كُتاب تركيا الحديثة المؤيدين