فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 232

البصرة ظلوا يتطلعون إلى إقامة الشورى، وفق نظريتهم السياسية التي ظلت أقرب النظريات إلى مبادئ الخطاب السياسي في العهد الراشدي؛ ولهذا كان فقهاؤها يرون (أَنَّ رِضَا أَهْلِ الِاخْتِيَارِ لِبَيْعَتِهِ شَرْطٌ فِي لُزُومِهَا لِلْأُمَّةِ؛ لِأَنَّهَا حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِهِمْ، فَلَمْ تَلْزَمْهُمْ إلَّا بِرِضَا أَهْلِ الِاخْتِيَارِ مِنْهُمْ.) [1] .

إلا أن هذه الدعوة إلى العمل بالشورى التي تردد صداها في جنبات البصرة، لم تر طريقها إلى النور، ولم يقم أحد من الخلفاء بتنفيذ هذا المشروع! ثم ما لبثت هذه الدعوة أن انقطعت بعد أن طال عليها الأمد، وبعد أن وأدها الفقه السياسي المؤول، الذي ما زال يوظف النصوص في خدمة الواقع، ويضفي الشرعية على كل انحراف، حتى طمست معالم الخطاب السياسي الشرعي المترل؟!!

إلا أن التاريخ الإسلامي خاصة في المغرب والأندلس لم يخل من محاولات لتنفيذ مثل هذا المشروع.

فقد كان للخليفة الناصر لدين الله الأموي الأندلسي مجلس لشورى الفقهاء، ثُمَّ إِنَّ النَّاصِرَ احْتَاجَ إِلَى شِرَاءِ مُجَشِّرٍ مِنْ أَحْبَاسِ الْمَرْضَى بِقُرْطُبَةَ بِعَدْوَةِ النَّهْرِ، فَشَكَا إِلَى الْقَاضِي ابْنِ بَقِيٍّ ضَرُورَتَهُ إِلَيْهِ لِمُقَابَلَتِهِمْ مَنْزَهَهُ، وَتَأَذِّيهِ بِرُؤْيَتِهِمْ أَوَانَ تَطَلُّعِهِ مِنْ عَلَالِيهِ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ بَقِيٍّ: لَا حِيلَةَ عِنْدِي فِيهِ، وَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُحَاطَ بِحُرْمَةِ الْحَبْسِ فَقَالَ لَهُ: تَكَلَّمْ مَعَ الْفُقَهَاءِ فِيهِ وَعَرِّفْهُمْ رَغْبَتِي، وَمَا أَجْزَلَهُ مِنْ أَضْعَافِ الْقِيمَةِ فِيهِ. فَلَعَلَّهُمْ أَنْ يَجِدُوا لِي فِي ذَلِكَ رُخْصَةً. فَتَكَلَّمَ ابْنُ بَقِيٍّ مَعَهُمْ فَلَمْ يَجِدُوا إِلَيْهِ سَبِيلًا، فَغَضِبَ النَّاصِرُ عَلَيْهِمْ وَأَمَرَ الْوُزَرَاءَ بِالتَّوْجِيهِ فِيهِمْ إِلَى الْقَصْرِ، وَتَوْبِيخِهِمْ، فَجَرَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَعْضِ الْوُزَرَاءِ مُكَالَمَةٌ، وَلَمْ يَصِلِ النَّاصِرُ مَعَهُمْ إِلَى مَقْصُودِهِ.) [2] .

كما جاء في ترجمة السلطان العادل علي بن يوسف بن تاشفين ملك المرابطين في المغرب (وكان حَسَن السّيرة، جيّد الطَّويَّة، عادلًا، نزِهًا، حتّى كان إلى أن يُعَدّ من الزّهّاد المتبتّلين أقرب، وأدخل من أن يُعَدّ من الملوك. واشتدّ إيثاره لأهل العِلم والدّين. وكان لَا يقطع أمرًا في جميع مملكته دون مشاورتهم. وكان إذا ولّى أحدًا من قُضاته، كان فيما يعهد إليه أن لَا يقطع أمرًا دون أن يكون بمحضر أربعةٍ من أعيان الفُقهاء، يشاورهم في ذلك الأمر، وإنْ صَغُرَ) [3] .

وقد ظل علماء الأندلس المالكيون يقولون بوجوب الشورى في جميع شئون الأمة، وَقَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادُ: وَاجِبٌ عَلَى الْوُلَاةِ مُشَاوَرَةُ الْعُلَمَاءِ فِيمَا لَا يَعْلَمُونَ، وَفِيمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ أُمُورِ

(1) - الأحكام السلطانية للماوردي (ص: 31)

(2) - الاعتصام للشاطبي ت الهلالي (2/ 684)

(3) - تاريخ الإسلام ت تدمري (36/ 445) والمعجب في تلخيص أخبار المغرب (ص: 130)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت