فهرس الكتاب

الصفحة 175 من 232

من سَبْعَة ملايين إِلَى ثَمَانِيَة كلهم من الْمُسلمين السلفيين عقيدة، وغالبهم الْحَنَابِلَة أَو الزيدية مذهبا، وَقد نَشأ الدّين فيهم وبلغتهم فهم أَهله وَحَمَلته وحافظوه وحماته، وقلما خالطوا الأغيار، أَو وجدت فيهم دواعي الأغراب والتفنن فِي الدّين لأجل الفخار، وَلَا يعظمن على الْبَعْض مِنْكُم أَيْضا انه كَيفَ يسوغ لِأَحَدِنَا أَن يَثِق بفهمه وتحقيقه مَعَ بعد الْعَهْد، وَيتْرك تَقْلِيد من يعرف انه أفضل مِنْهُ وَأجْمع علما وَأكْثر إحاطة واحتياطًا.

وَلَا أَظن أَن فِينَا من لَيْسَ فِي نَفسه أشكال عَظِيم فِي تحري من هُوَ الأعلم من بَين الْأَئِمَّة وَالْعُلَمَاء والأحرى بالاعتماد على تَحْقِيقه، لوُجُود اختلافات واضطرابات مهمة بَينهم مَا بَين نفي وَإِثْبَات، حَتَّى فِي كثير من الْأُمُور التعبدية الفعلية الَّتِي مأخذها الْمُشَاهدَة المتكررة أُلُوف مَرَّات، مثل: هَل كَانَ النَّبِي [- صلى الله عليه وسلم -] ثمَّ جُمْهُور أَصْحَابه عَلَيْهِم الرضْوَان يصلونَ وتر الْعشَاء بِتَسْلِيمِهِ أم بتسليمتين؟ وَهل كَانُوا يقنتون فِي الْوتر أم فِي الصُّبْح؟ وَهل كَانَ المؤتمون يقرؤون أم ينصتون. وَهل كَانُوا يرفعون الْأَيْدِي عِنْد تَكْبِيرَات الِانْتِقَال أم لَا يرفعون؟ وَهل يعقدون الْأَيْدِي أم يرسلونها.

فَإِذا كَانَ الْأَئِمَّة وَالْعُلَمَاء الأقدمون هَذَا شَأْنهمْ من التباين والتخالف فِي تَحْقِيق كَيْفيَّة عبَادَة فعلية هِيَ عماد الدّين، أَعنِي الصَّلَاة الَّتِي هِيَ من المشهودات المتكررات وَتُؤَدِّي بالجموع والجماهير، فَكيف يكون شَأْنهمْ فِي الْأَحْكَام الَّتِي تستند إِلَى قَول أَو فعل أَو سكُوت صدر عَن النَّبِي [- صلى الله عليه وسلم -] مرّة أَو مَرَّات فَقَط، وَرَوَاهَا فَرد أَو أَفْرَاد.

فعلى هَذَا، لَا أرى من مَانع أَن نَتْرُك النقول المتخالفة خُصُوصا مِنْهَا الْمُتَعَلّق بِالْبَعْضِ الْقَلِيل من الْأُصُول، ونجتمع على الرُّجُوع إِلَى مَا نفهمه من النُّصُوص، أَو مَا يتَحَقَّق عندنَا حسب طاقتنا أَنه جرى عَلَيْهِ السّلف، وَبِذَلِك تتحد وجهتنا ويتسنى لنا الِاتِّفَاق على تَقْرِير مَا نقرره، وَيُقَوِّي الأمل فِي قبُول الْأمة منا مَا ندعوها إِلَيْهِ .... ) [1] .

وقال عن ضرورة تجديد الخطاب السياسي متأثرًا خطا الأفغاني: (وَعِنْدِي أَن البلية فَقدنَا الْحُرِّيَّة، وَمَا أدرانا مَا الْحُرِّيَّة؛ هِيَ مَا حرمنا مَعْنَاهُ حَتَّى نسيناه، وَحرم علينا لَفظه حَتَّى استوحشناه، وَقد عرف الْحُرِّيَّة من عرفهَا:"بَان يكون الْإِنْسَان مُخْتَارًا فِي قَوْله وَفعله لَا يَعْتَرِضهُ مَانع ظَالِم". وَمن فروع الْحُرِّيَّة تَسَاوِي الْحُقُوق ومحاسبة الْحُكَّام بِاعْتِبَار انهم وكلاء، وَعدم الرهبة فِي الْمُطَالبَة وبذل النَّصِيحَة. وَمِنْهَا: حريَّة التَّعْلِيم، وحرية الخطابة والمطبوعات، وحرية المباحثات العلمية؛ وَمِنْهَا الْعَدَالَة بأسرها حَتَّى لَا يخْشَى إِنْسَان من ظَالِم أَو غَاصِب أَو غدار مغتال؛ وَمِنْهَا الْأَمْن على الدّين والأرواح، والأمن على الشّرف والأعراض، والأمن على الْعلم واستثماره. فالحرية هِيَ روح الدّين وينسب إِلَى حسان بن ثَابت الشَّاعِر الصَّحَابِيّ - رضي الله عنهم - قَوْله:(وَمَا الدّين إِلَّا أَن تُقَام شرائع ... وتؤمن سبل بَيْننَا وهضاب)

فلننظر كَيفَ حصر هَذَا الصَّحَابِيّ الدّين فِي إِقَامَة الشَّرْع والأمن.

(1) - أم القرى (ص: 13)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت