فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 232

الحاكم والمحكوم عند الاختلاف والتنازع؛ وقد جعل القرآن: الحكم لله وحده، فهو الذي له الحق وحده في التشريع المطلق لعباده، وله حق الطاعة المطلقة؛ كما قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 40] فاعتقاد وحدانية الله في حاكميته، هو الأصل الذي يقوم عليه توحيده في عبادته، وطاعته، لهذا أمر ألا يعبد إلا هو، فلا يعرف التوحيد من الشرك، ولا الطاعة من المعصية، ولا الإيمان من الكفر إلا بحكم الله؛ فمن لم يثبت هذا الأصل الإيماني العظيم أي توحيد الله المطلق في حاكميته وإفراده بها لم يسلم له توحيد الله في عبادته وطاعته، إذ العبادة والطاعة لله لا تعرف إلا عن طريق حكم الله وشرعه، ولا سبيل لالتزام حكم الله إلا بالإقرار والإيمان بأنه وحده الذي له الحكم والتشريع والأمر، كما له الخلق: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54] .

وبهذا تم تجريد كل من سوى الله من حق الطاعة المطلقة، وإنما مهمة الرسل هي البيان والبلاغ؛ كما قال تعالى: {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ} [المائدة: 99] وقد جعل طاعة رسوله من طاعته؛ لكونه هو الواسطة بين الله وعباده، فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] ففي هذه الآية جعل الله الطاعة له ولرسوله استقلالا، وجعل طاعة أولي الأمر تبعا، ولهذا عطفها بالواو دون أن يكرر فعل {وأطيعوا} ليؤكد أن طاعة أولي الأمر مقيدة بطاعة الله ورسوله، ولهذا قال: {مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ} أي أنتم وأولي الأمر منكم، أو أولي الأمر فيما بينهم: {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} ليؤكد مبدأ المشروعية ويحدد المرجعية، وأنهما القرآن والسنة ابتداءً وانتهاءً.

لقد أكد القرآن بهذه الآية مبدأ المشروعية والمرجعية، كما أكد ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - أول دخوله المدينة حيث وضع صحيفة المدينة، التي تعد أول دستور [1] عرفه العالم، وحدد فيها الحقوق والواجبات التي على المسلمين، ومن معهم من أهل الكتاب، والمرجعية عند التنازع والاختلاف؛ ليكون الالتزام بها ناشئا عن تعاقد بين طرفين وعن تراض منهما دون إكراه أو إلزام.

عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَتَبَ بِهَذَا الْكِتَابِ: هَذَا الْكِتَابُ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَأَهْلِ يَثْرِبَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ، فَلَحِقَ بِهِمْ، فَحَلَّ مَعَهُمْ وَجَاهَدَ مَعَهُمْ: أَنَّهُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ دُونَ النَّاسِ وَالْمُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ - قَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ: عَلَى رَبَعَاتِهِمْ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَالْمَحْفُوظُ عِنْدَنَا رَبَاعَتِهِمْ - يَتَعَاقَلُونَ بَيْنَهُمْ مَعَاقِلَهُمُ

(1) - الدستور هو الوثيقة السياسية التي تنظم شئون السلطة وصلاحياتها وتحدد علاقة الأفراد بها وما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات. وقد قال شيخ الإسلام عن هذه الصحيفة في الصارم المسلول ص 64: (هذه الصحيفة معروفة عند أهل العلم) واحتج بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت