فهرس الكتاب

الصفحة 216 من 232

ولم ينازعوا كما فعل ابن عمر وغيره، مع أنها أخذت بالقهر والغلبة، وكذلك بعدهم في عصر الطبقة الثالثة تغلب من تغلب وجرت أحكام الجماعة والإمامة ولم يختلف أحد في ذلك، وغالب الأئمة بعدهم على هذا القبيل وهذا النمط، ومع ذلك فأهل العلم والدين يأتمرون بما أمروا به من المعروف، وينتهون عما نهوا عنه من المنكر، ويجاهدون مع كل إمام كما هو منصوص عليه في عقائد أهل السنة، ولم يقل أحد منهم بجواز قتال المتغلب والخروج عليه وترك الأمة تموج في دمائها وتستبيح الأموال والحرمات، ويجوس العدو الحربي خلال ديارهم ويترل بحماهم- هذا لا يقول بجوازه وإباحته إلا مصاب في عقله، موتور في دينه وفهمه، وقد قيل:

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا

بل هذا الحكم الديني يؤخذ من قوله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} ؛ لأنه لا يحصل القيام بهذا الواجب إلا بما ذكرنا، وتركه مفسدة محضة، ومخالفة صريحة؛ قال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} ، وفي الحديث: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَاتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» [1] ، لاسيما وقد نزل العدو بأطرافكم، واستخف الشيطان أكثر الناس وزين لهم الموالاة واللحاق بالمشركين، وإسناد أمر الرياسة إليهم، وأنهم ولاة أمر يعرفون ويولون، وينصرون وينصبون، وأنهم جاءوا لنصرة فلان كما ألقاه الشيطان على ألسن المفتونين، وصاروا بعد الترسم بالدين من جملة أعوان المشركين، المبيحين لترك جهاد أعداء رب العالمين، فما أعظمها من مكيدة! وما أكبرها من خطيئة! وما أبعدها عن دين الله ورسوله! {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ، وما صدر من بعض الإخوان من الرسائل المشعرة بجواز الاستنصار بهم وتهوين فتنتهم، والاعتذار عن بعض أكابرهم - زلة لا يرقى سليمها، وورطة قد هلك وضل زعيمها. وما أحسن قوله: {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا} فاقبلوا وامتثلوا موعظة ربكم، وجاهدوا في الله حق جهاده، وقد أجمع المسلمون على جهاد عدوهم مع الإمام سعود وفقه الله، وقد قرر أهل السنة في عقائدهم أن الجهاد ماض مع كل إمام، وهو فرض على المشهور، أو ركن من أركان الإسلام لا يبطله جور جائر.

(1) - الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم (ص: 705) 7288 - 1945 - [ش أخرجه مسلم في الحج باب فرض الحج مرة في العمر. وفي الفضائل باب توقيره - وترك إكثار سؤاله مما لا ضرورة إليه .. رقم 1337 (دعوني) اتركوني ولا تسألوني. (بسؤالهم) كثرة أسئلتهم. (ما استطعتم) قدر استطاعتكم بعد الإتيان بالقدر الواجب الذي لا بد منه. قال النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم هذا من قواعد الإسلام ومن جوامع الكلم التي أعطيها - ويدخل فيه ما لا يحصى من الأحكام]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت