فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 232

ولوضوح هذا المبدأ وأنه لا إمامة إلا بعد عقد البيعة، بادر الصحابة - رضي الله عنهم - م - لعقدها عند استخلاف الخليفة الأول، فلم يصبح أبو بكر خليفة إلا بعد عقد البيعة له، ولم يكن لديه من السلطة أو القوة ما يستطيع به أن يمارس أعماله كخليفة للمسلمين إلا بموجب هذا العقد الذي تم برضا الصحابة جميعا، أهل الحل والعقد منهم في سقيفة بني ساعدة، وعامة الصحابة في البيعة العامة في المسجد، ولولا أهمية هذا العقد وضرورته لما أشغلوا أنفسهم به عن دفنه، ولما كان هناك داع أن يعقدها كل من حضر في سقيفة بني ساعدة وفي المسجد لولا ضرورتها.

وكذلك لم يصبح عمر خليفة على المسلمين بمجرد ترشيح أبي بكر له وهو على فراش الموت؛ بل صار خليفة للمسلمين بعد عقد البيعة له بعد وفاة أبي بكر برضا من الصحابة - رضي الله عنهم - م.

ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ عُمَرَ وَطَائِفَةً مَعَهُ بَايَعُوهُ، وَامْتَنَعَ سَائِرُ الصَّحَابَةِ عَنِ الْبَيْعَةِ، لَمْ يَصِرْ إِمَامًا بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا صَارَ إِمَامًا بِمُبَايَعَةِ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ، الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ الْقُدْرَةِ وَالشَّوْكَةِ. وَلِهَذَا لَمْ يَضُرَّ تَخَلُّفُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ [لَا] يَقْدَحُ فِي مَقْصُودِ الْوِلَايَةِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ حُصُولُ الْقُدْرَةِ وَالسُّلْطَانِ اللَّذَيْنِ بِهِمَا تَحْصُلُ مَصَالِحُ الْإِمَامَةِ، وَذَلِكَ قَدْ حَصَلَ بِمُوَافَقَةِ الْجُمْهُورِ عَلَى ذَلِكَ.) [1] ، وقال أيضا: (وَكَذَلِكَ عُمَرُ لَمَّا عَهِدَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ، إِنَّمَا صَارَ إِمَامًا لَمَّا بَايَعُوهُ وَأَطَاعُوهُ، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُمْ لَمْ يُنَفِّذُوا عَهْدَ أَبِي بَكْرٍ وَلَمْ يُبَايِعُوهُ لَمْ يَصِرْ إِمَامًا، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا أَوْ غَيْرَ جَائِزٍ.) [2] .

وهذا يؤكد أن العهد مجرد ترشيح يحق للأمة قبوله وإقراره أو رده ورفضه ... ، وأن الجمهور - وهم الأكثرية - هم الذين يرجحون كفة الاختيار عند اختلاف الأمة وعدم اتفاقها على رأي في موضوع اختيار الإمام.

وكذا المعهود إليه من قبل الإمام لا يكون إماما بمجرد العهد إليه بعد وفاة الأول، بل لا يكون إماما إلا بعقد البيعة له من الأمة؛ كما قال أبو يعلى الحنبلي: (لأن الإمامة لا تنعقد للمعهود إليه بنفس العهد، وإنما تنعقد بعهد المسلمين) [3] .

ولخطورة هذه البيعة وأهميتها ظل جميع الخلفاء والملوك بعد ذلك يحرصون على إضفاء الشرعية على سلطتهم بأخذ البيعة من الأمة ولو كرها؟!

(1) - المفصل في شرح السنن النبوية في الأحكام السياسية (ص: 157) ومنهاج السنة النبوية (1/ 530)

(2) - المفصل في شرح السنن النبوية في الأحكام السياسية (ص: 157) ومنهاج السنة النبوية (1/ 530)

(3) - الأحكام السلطانية لأبي يعلى الفراء (ص: 25) والإسلام وأوضاعنا السياسية - ت علي بن نايف الشحود (ص: 155) والإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة (ص: 63)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت