التي لا تحتاج إلى استفتاء؛ إذ هي معلومة لكل عربي مسلم آنذاك، فالعرب لا ينقاد بعضهم لبعض في الجاهلية إلا لقريش لكونهم أهل البيت الحرام.
إن أبا بكر لم يرفض مبدأ (منا أمير ومنكم أمير) ، وهو مبدأ التداول السلمي للسلطة بين القوى المتنافسة؛ لكون هذا المبدأ غير جائز في الشريعة، أو لكونه يصطدم بالإسلام، وإلا لذكر الأدلة الشرعية التي تحظر مثل هذا المبدأ، وإنما احتج عليهم بعدم رضا العرب، ومن ثم حدوث الانشقاق والفتنة، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن أبا بكر - رضي الله عنهم - قال للأنصار - رضي الله عنهم - م يوم السقيفة حين تنازعوا في الخلافة":يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، إِنَّا وَاللهِ مَا نُنْكِرُ فَضْلَكُمْ، وَلاَ بَلاَءَكُمْ فِي الإِسْلاَمِ، وَلاَ حَقَّكُمُ الْوَاجِبَ عَلَيْنَا، وَلَكِنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمْ أَنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنْ قُرَيْشٍ بِمَنْزِلَةٍ مِنَ الْعَرَبِ، لَيْسَ بِهَا غَيْرُهُمْ، وَأَنَّ الْعَرَبَ لَنْ تَجْتَمِعَ إِلاَّ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَنَحْنُ الأُمَرَاءُ وَأَنْتُمَ الْوُزَرَاءُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَلاَ تَصَدَّعُوا الإِسْلاَمَ، وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ مَنْ أَحْدَثَ فِي الإِسْلاَمِ .." [1] .
ووقَعَ فِي آخِر المَغازِي لِمُوسَى بن عُقبَة عَن ابن شِهاب أَنَّ أَبا بَكر قالَ فِي خُطبَته"إِنَّ الأَنصار قالُوا أَوَّلًا نَختار رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ وإِذا ماتَ اختَرنا رَجُلًا مِنَ الأَنصار، فَإِذا ماتَ اختَرنا رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ كَذَلِكَ أَبَدًا فَيَكُون أَجدَر أَن يُشفِق القُرَشِيّ إِذا زاغَ أَن يَنقَضّ عَلَيهِ الأَنصارِيّ وكَذَلِكَ الأَنصارِيّ ...." [2]
وهذا تماما هو مبدأ التداول السلمي للسلطة بين حزبين سياسيين، تارة يحكم هذا، وتارة هذا، حتى يكون من هو خارج السلطة رقيبا على من يديرها.
وقفة:
إن من دعا إلى مبدأ: (منا أمير ومنكم أمير) لم يتعرض للاضطهاد، ولم يصادر حقه في إبداء رأيه، ولم تتم تصفيته بدعوى الحفاظ على النظام؛ إذ إن الإسلام لا يقر مثل هذه الأساليب المحظورة شرعا، وكيف يضطهد من يطالب بحقه في الشورى؟ وحقه في أن يرشح نفسه لتختاره الأمة أو تختار غيره؟!
كما تؤكد حادثة السقيفة أن اشتراط القرشية في الإمامة لم يكن معروفا ولا معلوما بين الصحابة؛ وإلا لما نازع فيها الأنصار، ولما احتج أبو بكر وعمر بمثل ما احتجا به؛ والنصوص الواردة في ذلك أشبه بالأخبار منها بالأحكام وهذا ما فهمه الأنصار، كما احتج عمر بأفضلية أبي بكر، وكل ذلك يؤكد عدم ظهور دعوى اشتراط القرشية للإمامة في تلك الفترة.
كما ظهر هذا المبدأ مرة ثانية عندما تنافس الستة الذين اختارهم عمر ورشحهم للإمامة؛ إذ هذا الاختيار تكريس لمبدأ التداول السلمي، وترسيخ التعددية، وفتح للطريق أمام التنافس
(1) - المفصل في شرح السنن النبوية في الأحكام السياسية (ص: 44) ومصنف ابن أبي شيبة -دار القبلة (20/ 577) (38198) صحيح
(2) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (7/ 31) صحيح مرسل