لقد كان عثمان يسير على خطا أبي بكر الصديق عندما قال: (فَإِنْ أَنَا أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ أَنَا زُغْتُ فَقَوِّمُونِي) [1] .
لقد غابت كل هذه المبادئ الواضحة تحت ركام كثير من الروايات التاريخية، التي تحتاج إلى تمحيص ونقد لمعرفة: لم وقع ما وقع؟ وكيف وقع؟
وإذا كانت المعارضة الجماعية للسلطة في عهد عثمان محدودة في مجموعات محصورة في مصر والكوفة والبصرة، فقد تطور الوضع في عهد الخليفة الرابع الراشد علي بن أبي طالب إذ حدثت المعارضة له داخل المدينة نفسها، وهي عاصمة الدولة الإسلامية؛ وقادها نفر من كبار الصحابة - رضي الله عنهم - م وهم طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وهما من العشرة المبشرين بالجنة، ومن الستة الذين اختارهم عمر للشورى، وآزرتهم عائشة - رضي الله عنهم - ا ومجموعة من الصحابة؛ لتدخل المعارضة طورا جديدا فقد جاءوا لعلي بعد أن تمت له البيعة، واجتمع إِلَى علي بعد مَا دخل طَلْحَةُ وَالزُّبَيْر فِي عدة من الصحابة، فَقَالُوا: يَا علي، إنا قَدِ اشترطنا إقامة الحدود، وإن هَؤُلاءِ القوم قَدِ اشتركوا فِي دم هَذَا الرجل وأحلوا بأنفسهم فَقَالَ لَهُمْ: يَا إخوتاه، إني لست أجهل مَا تعلمون، ولكنى كيف اصنع بقوم يملكوننا وَلا نملكهم! ها هم هَؤُلاءِ قَدْ ثارت معهم عبدانكم، وثابت إِلَيْهِم أعرابكم، وهم خلالكم يسومونكم مَا شاءوا، فهل ترون موضعا لقدرة عَلَى شَيْء مما تريدون؟ قَالُوا: لا، قَالَ: فلا وَاللَّهِ لا أَرَى إلا رأيا ترونه إِنْ شَاءَ اللَّهُ، إن هَذَا الأمر أمر جاهلية، وإن لهؤلاء القوم مادة، وَذَلِكَ أن الشَّيْطَان لم يشرع شريعة قط فيبرح الأرض من أخذ بِهَا أبدا.
إن الناس من هَذَا الأمر إن حرك عَلَى أمور: فرقة ترى مَا ترون، وفرقة ترى مَا لا ترون، وفرقة لا ترى هَذَا وَلا هَذَا حَتَّى يهدأ الناس وتقع القلوب مواقعها وتؤخذ الحقوق، فاهدءوا عني وانظروا ماذا يأتيكم، ثُمَّ عودوا. واشتد عَلَى قريش، وحال بينهم وبين الخروج على حال، وإنما هيجه عَلَى ذَلِكَ هرب بني أُمَيَّة وتفرق القوم، وبعضهم يقول: وَاللَّهِ لَئِنِ ازداد الأمر لا قدرنا عَلَى انتصار من هَؤُلاءِ الأشرار، لترك هَذَا إِلَى مَا قَالَ علي أمثل. وبعضهم يقول: نقضي الَّذِي علينا وَلا نؤخره، وو الله إن عَلِيًّا لمستغن برأيه وأمره عنا، وَلا نراه إلا سيكون عَلَى قريش أشد من غيره فذكر ذَلِكَ لعلي فقام فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وذكر فضلهم وحاجته إِلَيْهِم ونظره لَهُمْ وقيامه دونهم، وأنه ليس لَهُ من سلطانهم إلا ذَلِكَ، والأجر من اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ، ونادى: برئت الذمة من عبد لم يرجع إِلَى مواليه فتذامرت السبئيه والأعراب، وَقَالُوا: لنا غدا مثلها، وَلا نستطيع نحتج فِيهِمْ بشيء. [2]
(1) - الأموال للقاسم بن سلام (ص: 12) صحيح
(2) - تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري (4/ 437)