قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آلِ عِمْرَانَ: 165] ،وَقَالَ تَعَالَى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النِّسَاءِ: 79] ،وَقَالَ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الْأَنْعَامِ: 129] . فَإِذَا أَرَادَ الرَّعِيَّةُ أَنْ يَتَخَلَّصُوا مِنْ ظُلْمِ الْأَمِيرِ الظَّالِمِ، فَلْيَتْرُكُوا الظُّلْمَ, وَعَنْ مَالِكِ بن دينار: أَنَّهُ جَاءَ فِي بَعْضِ كُتُبِ اللَّهِ: أَنَا اللَّهُ مَالِكُ الْمُلْكِ، قُلُوبُ الْمُلُوكِ بِيَدِي، فَمَنْ أَطَاعَنِي جَعَلْتُهُمْ عَلَيْهِ رَحْمَةً، وَمَنْ عَصَانِي جَعَلْتُهُمْ عَلَيْهِ نِقْمَةً، فَلَا تَشْغَلُوا أَنْفُسَكُمْ بِسَبِّ الْمُلُوكِ، لَكِنْ تُوبُوا أَعْطِفْهُمْ عَلَيْكُمْ") [1] !"
وهكذا تحولت القضية من قضية خلافية اجتهادية إلى قضية إجماعية قطعية!! ومن مسألة فقهية إلى أصل عقائدي يُستدل عليه بمثل هذه الإسرائيليات!
وذا دخل الخطاب السياسي الفقهي مرحلة جديدة؛ قام كثير من الفقهاء فيها بتأويل النصوص لإضفاء الشرعية على الواقع وترسيخه! تارة بدعوى أن هذا ما تدل عليه النصوص وتارة بدعوى أن هذا ما تقضي به المصلحة وأن الخروج لا يؤدي إلا إلى هذه المفسدة ... إلخ.
دون قراءة صحيحة للواقع ودون إدراك أن المصلحة التي تُظن بتحريم مقاومة طغيان السلطة وانحرافها هي مصلحة آنية مؤقتة!
إذ ما تلبث أن تكون النتائج أشد مفسدة مما كان يخشى من الخروج إذ تؤل أمور الأمة إلى الضعف والانحلال ومن ثم السقوط والاضطراب كما هي السنن الاجتماعية وهذا ما حصل!!
فما أن شاع الخطاب السياسي المؤول الذي أضفى على السلطة هالة من القدسية حتى بلغت أوجها في انحرافها واستبدادها حتى حلت الكارثة بالأمة! وإذا بالغزو التتاري وبالجيوش الهمجية تُسقط عاصمة الدولة الإسلامية سنة 656 هـ في أكبر كارثة عرفها المسلمون في تاريخهم؛ وكذا ما حصل في الأندلس وفي غيرها من الأقاليم ثم انتهى أمر الأمة إلى السقوط تحت الغرب الصليبي بسبب غياب دور الأمة وفساد الأنظمة وشيوع الخطاب السياسي المؤول الذي يضفي الشرعية على وجودها بل حمايتها مهما بلغت في فسادها وتفريطها بمصالح الأمة حفاظا على مصالح عروشها!!
لقد نظر أصحاب هذا الخطاب المؤول إلى حركات الاحتجاج السياسي نظرة سلبية من زاوية واحدة هي: ما يحدث بسبب هذه الحركات من فتنة قد يذهب بها بعض النفوس والأموال
(1) - شرح الطحاوية - ط دار السلام (ص: 381) والحسبة - جامعة المدينة (ص: 188)
والحديث في الترغيب والترهيب لقوام السنة (1/ 447) (792) وحلية الأولياء وطبقات الأصفياء (6/ 172) ومشيخة قاضي المارستان (2/ 409) (14) وهو حديث من الإسرائيليات التي تنافي الشرع، لأن الشرع أمر بإزالة المنكر وليس، بالسكوت عليه!!!!
قلت: لعل هذا الإجماع استقر بعد فشل كثير من الثورات على أئمة الجور، وكذلك بسبب الخروج غير المنضبط ببالضوابط الشرعية عليهم.