فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 232

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِلْوَرَثَةِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيْنَا» [1]

بل كانت الشورى في العهد النبوي والعهد الراشدي للمؤمنين عامة وللناس كافة فيما كان من أمورهم العامة؛ فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يشاور أصحابه كافة في حال السلم والحرب ويقول:"أَشِيرُوا عليَّ أَيُّهَا النَّاسُ". [2] .

وعَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: وَزَعَمَ عُرْوَةُ، أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ، وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، أَخْبَرَاهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:"أَحَبُّ الحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إِمَّا السَّبْيَ، وَإِمَّا المَالَ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَانَيْتُ بِهِمْ"،وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - انْتَظَرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي المُسْلِمِينَ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هَؤُلاَءِ قَدْ جَاءُونَا تَائِبِينَ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ بِذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ» فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّا لاَ نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَاذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعُوا إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ» فَرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأَخْبَرُوهُ: أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا" [3] "

وكل ذلك يؤكد حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - على إشراك الأمة في شئونها، وأن يشعروا بأن كل ما يقوم به هو من أجلهم هم لا لمصلحة له فيه.

وهذا ما لم يقم به كل الملوك، والخلفاء، والمصلحين بعد ذلك، ولم يلتفتوا إليه وظنوا أن العدل وحده كاف لتحقيق النهضة.

لقد قامت دولة الإمام محمد بن عبدالوهاب في آخر هذه المرحلة ونجحت نجاحا كبيرا في إصلاح عقائد المسلمين، وتجديد معالم الدين، إلا أنها فشلت في العودة إلى ما كان عليه الخلفاء الراشدون في باب الإمامة وسياسة الأمة؛ حيث التزمت بالخطاب السياسي المؤول

(1) - صحيح البخاري (3/ 118) (2398) وصحيح مسلم (3/ 1238) 17 - (1619)

(كلا) عيالا لا نفقة لهم أو دينا لا وفاء له. (فإلينا) يرجع أمره والقيام به]

(2) - تهذيب تحرير الإنسان وتجريد الطغيان (ص: 191) والبداية والنهاية ط هجر (5/ 70)

(3) - صحيح البخاري (3/ 100) (2307)

(وفد) الذين يقصدون الأمراء لزيارة وغير ذلك نيابة عن قومهم. (هوازن) قبيلة من خزاعة. (سبيهم) ما أخذ منهم من النساء والأولاد. (أصدقه) الذي يوافق الحقيقة والواقع. (الطائفتين) المال أو السبي. (استأنيت بهم) انتظرت وتربصت. (بضع) من ثلاث إلى تسع. (قفل) رجع. (يطيب بذلك) يرد السبي مجانا برضا نفسه وطيب قلبه. (حظه) نصيبه من السبي. (يفيء) من الفيء وهو ما يحصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد وأصل الفيء الرجوع فكأن المال في الأصل حق المؤمنين المسلمين فرجع إليهم بعد ما حازه الكافرون بغير استحقاق. (يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم) جمع عريف وهو الذي يعرف أمر القوم وأحوالهم والغرض من ذلك التقصي عن حالهم ومعرفة الغاية من استطابة نفوسهم]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت