فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 232

لقد امتدت المرحلة الثانية مرحلة الخطاب السياسي المؤول منذ نصف القرن الأول تقريبا حتى سقوط

الخلافة العثمانية أي مدة ألف وثلاثمائة عام تقريبا، تفاوتت فيها درجات الانحراف وشدته، فقد كان الانحراف في أول هذه المرحلة أخف وطأة من آخرها.

وبلغ الانحراف السياسي إلى أن كاد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله أن يدعي الربوبية؟!!

هذا مع أنه لم يخل عصر أو مصر، من خلفاء وملوك عدول، وعلماء وقضاة ربانيين، كان لهم أكبر الأثر في استقرار الحضارة مدة ألف عام، كأثر من آثار العدل الذي اشتهر به كثير من الخلفاء والقضاة والذي هو السبب في استقرار المجتمعات، وازدهارها وتطورها، إلا أنه هذا وحده لم يعد قادرا على النهضة بالأمة من جديد؛ إذ أن تلك الحضارة ما كان لها أن تقوم ولا أن تدوم ألف عام، لولا قوة الأساس الذي قامت عليه الدولة في بداية نشأتها، هذه القوة التي تمثلت في مبادئ الخطاب السياسي لتعاليم الدين المترل، والذي كان له أكبر الأثر في صمود الدولة في حروب الردة، ثم صمودها في الفتوحات التي تحقق على أيدي الصحابة، لما كان عليه الوضع السياسي في تلك الفترة من عدل، وحرية، وشورى، جعلت الفاتحين يضحون في سبيل هذه الدولة ومبادئها السماوية، فكان هذا الأساس الراسخ هو الذي ساعد على صمود الدولة بعد طروء الانحراف، وحال دون سقوطها قرونا طويلة، فلا يمكن أن تقوم دولة ونهضة جديدة دون الرجوع إلى مبادئ الخطاب السياسي الراشدي؛ إذ لا يمكن للخطاب السياسي المؤول أن يكون أساسا تقوم عليه دولة ونهضة جديدة؟!

لقد فشلت جميع الجهود الإصلاحية كجهود صلاح الدين الأيوبي، ويوسف بن تاشفين، ونظام الملك، والظاهر بيبرس وغيرهم من الملوك والوزراء، الذين سعوا إلى تحقيق نهضة كبرى؛ إذ لم يستطع أحد منهم أن يشرك الأمة في شئونها على النحو الذي كان في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدين؛ حيث كانت الأمة كلها تعمل من أجل بناء هذه الدولة حتى لقد كان للأعراب الذين كانوا في الصحراء اليد الطولى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في تأسيس هذه الدولة، ومشاركته الرأي؛ فكانوا كأنما نفخ الله فيهم من روحه، فولدوا من جديد على نمط فريد، ولا يمكن للمطلع على تاريخ العصر النبوي والعصر الراشدي، إلا أن يقف حائرا من قدرة النبي - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء بعده، على نفخ الروح في هذه الأمة برجالها ونسائها وأعرابها، فإذا هم يعملون من أجل دولتهم هم لا دولة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا دولة الخلفاء من بعده، ومن أجل حريتهم هم ومجدهم وحقوقهم قبل غيرهم.

وعن عَمْرِو بْنِ عَبْسَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى بَعِيرٍ مِنَ الْمَغْنَمِ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَخَذَ وَبَرَةً مِنْ جَنْبِ الْبَعِيرِ ثُمَّ قَالَ:"وَلَا يَحِلُّ مِنْ غَنَائِمِكُمْ مِثْلُ هَذَا، إِلَّا الْخُمُسَ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ" [1]

(1) - السنن الكبرى للبيهقي (6/ 551) (12943) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت