فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 232

وأيضا ما كان يقوم به شيخ الإسلام ابن تيمية مع أتباعه في الشام من إزالة المنكرات والدفاع عن المظلومين.

وقد استمر قيام العلماء بالتصدي لمواجهة الظلم حتى في العصور المتأخرة حين قاد علماء الأزهر ثورة جماهيرية كبرى سنة 1209 هـ 1794 م ضد المماليك؛ اشترك فيها العامة الذين توافدوا من أطراف القاهرة بعد أن أغلقوا الجامع الأزهر؛ وأمروا العامة بإغلاق أسواقهم ومحلاتهم لما استشرى ظلم المماليك وعسفهم بالرعية؛ فلم يجد المماليك بدًا من الترول على رغبة الجماهير ... قال العلامة أحمد شاكر: (اليقظة والنهضة التي أخذت تعمّ دار الإسلام في مصر؛ وتبيّن أن مشايخ الأزهر قد صاروا طليعة هذه النهضة وقادتها وأن سلطانهم على العامة والجماهير قد أرهب المماليك وأفزعهم) ! [1]

إلا أن هذا كله لم يحل دون انحلال الدولة وسقوط الأمة وضياع دار الإسلام على يد الاستعمار الذي جاء فوجد شعوبا مغيّبة عن واقعها تنتظر السلطان يدفع عنها بعد أن تنازلت عن حقوقها قرونا طويلة باسم الدين والسنة ليعبث بها العابثون ويسخر منها الساخرون!

لقد امتدت مرحلة الخطاب السياسي المؤول منذ آخر القرن الأول تقريبا حتى سقوط الخلافة العثمانية؛ أي مدة ألف ومائتي عام تقريبا؛ تفاوتت فيها درجات الانحراف وشدته؛ فقد كان الانحراف في أول هذه المرحلة أخف وطأة من آخرها.

هذا مع أنه لم يخل عصر أو مصر من خلفاء عدول وأمراء عدول وعلماء وقضاة ربانيين كان لهم أكبر الأثر في استقرار الحضارة مدة ألف عام كأثر من آثار العدل الذي اشتهر به كثير من الخلفاء والقضاة.

وقد أدرك هذه المشكلة الشعراء، وكان أصدقهم تعبيرا عن واقع الشعوب وما حل بها من جهل في الدين وتفريط في الدنيا: أبو الطيب المتنبي كما في قوله [2] :

سَادَاتُ كُلَّ أُنَاسٍ مِنْ نُفُوسِهمُ ... وَسَادَةُ المُسلمِينَ الأعبُدُ القُزُمُ

أَغَايَةُ الدِّينِ أَن تَحفُوا شَوَارِبَكُمْ ... يا أُمَّةً ضَحِكَتْ مِنْ جَهلِهَا الأُمَمُ؟!

وفي قوله [3] :

وإنّما النّاسُ بالمُلُوكِ ومَا تُفْلِحُ عُرْبٌ مُلُوكُها عَجَمُ

لا أدَبٌ عِندَهُمْ ولا حَسَبٌ ولا عُهُودٌ لهُمْ ولا ذِمَمُ

بكُلّ أرْضٍ وطِئْتُها أُمَمٌ تُرْعَى بعَبْدٍ كأنّها غَنَمُ

(1) - رسالة في الطريق إلى ثقافتنا للعلامة محمود شاكر ص 129

(2) - تراجم شعراء موقع أدب (49/ 119) وشرح ديوان المتنبي للواحدي (ص: 342، بترقيم الشاملة آليا) وشرح معاني شعر المتنبي لابن الإفليلي - السفر الثاني (2/ 27، بترقيم الشاملة آليا) ومعجز أحمد (ص: 406، بترقيم الشاملة آليا)

(3) - الفن ومذاهبه في الشعر العربي (ص: 304) وتراجم شعراء موقع أدب (49/ 103)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت