فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 232

وقد روى هذا الحديث في مسنده بلفظ: ( «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَطُّ إِلَّا، وَلَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ حَوَارِيٌّ، وَأَصْحَابٌ يَتَّبِعُونَ أَثَرَهُ وَيَقْتَدُونَ بِهَدْيِهِ، ثُمَّ يَاتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ خَوَالِفُ أُمَرَاءُ، يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ» [1] .

ولم يذكر آخر الحديث: (فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن) ظنًّا منه أنها زيادة شاذة!! هذا مع أن الحديث صحيح الإسناد ولا علة له! وإنما حمله على ذلك ظنه أن السنة هي المنع من ذلك؛ فأعلَّ هذه الزيادة ظنا منه أنه تخالف أصلا من الأصول!

وهنا يكمن الفرق الجلي بين نصوص الشارع التي جاءت صالحة لكل زمان ومكان وأقوال الأئمة التي هي فهم لهذه النصوص ومراعاة لكيفية تطبيقها على الوجه الصحيح في عصرهم؛ فلا يمكن لأقوالهم مهما اجتهدوا أن تكون كنصوص الشارع التي هي وحي جاء لكل أهل عصر؛ فلم يقل الشارع (كونوا مع من غلب) كما قال ابن عمر: (نحن مع من غلب) [2] وبه قال الإمام أحمد ..

وأين هذا من قول عمر الذي قاله بحضرة الصحابة وأجمعوا عليه: «مَنْ دَعَا إِلَى أَمْرِهِ مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ» [3]

وقد يصلح قول ابن عمر في زمان دون زمان ولقوم دون قوم [4] ؛أما نصوص الشارع فصلاحيتها مطلقة عن قيدي الزمان والمكان؛ تأمر بالسمع والطاعة والصبر كما تأمر بالصدع بالحق وإزالة المنكر وأن يدفع الإنسان عن نفسه وماله وعرضه وأن تدافع الأمة عن حقها وأن يكون الأمر شورى بينها.

ومما زاد الأمر خطورة: أن من التزموا بهذه المفاهيم الجديدة هم أهل الصلاح والفضل بينما ظل أصحاب المطامع يتواثبون على السلطة دون خوف من رمي ببدعة أو فسق ما داموا سيصبحون بعد الوصول للسلطة أولي أمر تجب طاعتهم ويحرم الخروج عليهم ويجب الدعاء لهم! حتى وصل للسلطة من رُمي بالزندقة والإلحاد وشاع الظلم والفساد فآل الأمر إلى الضعف والانحلال والسقوط تحت سيطرة الاحتلال!!

هذا مع استقرار القول بتحريم الخروج وشيوعه إلا أن علماء الأمة الربانين ظلوا يتصدون للظلم وينكرون المنكر ويصدعون بالحق بصورة فردية وجماعية إذ لا يرون ذلك من الخروج الممنوع بدعوى الإجماع ودلالة النصوص!

كما حصل في سنة 464 هـ حيث خرج فقهاء الحنابلة يتقدمهم الشريف أبو جعفر ومعهم الشافعية يتقدمهم أبو إسحاق الشيرزاي وتوجهوا إلى دار الخلافة لإزالة المنكرات.

(1) - مسند أحمد مخرجا (7/ 411) (4402) صحيح

(2) - قَالَ سَيْفٌ الْمَازِنِيُّ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: لَا أُقَاتِلُ فِي الْفِتْنَةِ , وَأُصَلِّي وَرَاءَ مَنْ غَلَبَ"الطبقات الكبرى ط دار صادر (4/ 149) حسن ـ وفرق كبير بين اللفظين!!!!"

(3) - السنة لأبي بكر بن الخلال (1/ 143) (106) حسن

(4) - قلت: كلام ابن عمر الصحيح عنه صالح لكل زمان ومكان أما اللفظ المبتور فلا يصلح لكل زمان ومكان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت