وبهذا المفهوم الجديد اكتملت حلقتا البطان، وُفتح الطريق على مصراعيه للاستبداد السياسي، والظلم، وتعطيل الحدود والحقوق، وراج هذا الخطاب الجديد المؤول بين أهل السنة، سواء أكانوا من علماء أهل الحديث، أم المتكلمين؛ فلم ينقض القرن الرابع حتى ادعي الإجماع على هذا المفهوم الجديد، و رمي كل من خالفه بالابتداع؟! دون تقديم تفسير صحيح كيف يكون أصلا من أصول الاعتقاد والسنة ما لم يسمع به الزبير وطلحة، وهما من العشرة المبشرين بالجنة والسابقين إلى الإسلام؟!
وكيف يخفى هذا الأصل على عائشة أم المؤمنين وأفقه نساء العالمين؟! وكيف لا يعرفه الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر؟! وأين أهل المدينة من أبناء الصحابة الذين أجمعوا على الخروج على يزيد عن هذا الأصل؟!
وكيف يكون الأمر واجبا وحقا ودينا في القرن الأول الهجري، ونصف القرن الثاني، ثم يصبح محرما وبدعة في القرن الثالث؟!
لقد فرض الواقع مفاهيمه على أهل العصر، فجاءت آراؤهم تعبيرا عن هذا الواقع أكثر منها تعبيرا عن النصوص، ولهذا رد الإمام أحمد حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ، وَأَصْحَابٌ يَاخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ» [1]
قال الخلال:"أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ذَكَرَ حَدِيثَ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ فُضَيْلٍ الْخَطْمِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «يَكُونُ أُمَرَاءٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ» . قَالَ أَحْمَدُ: جَعْفَرٌ هَذَا هُوَ أَبُو عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ فُضَيْلٍ لَيْسَ بِمَحْمُودِ الْحَدِيثِ، وَهَذَا الْكَلَامُ لَا يُشْبِهُهُ كَلَامُ ابْنُ مَسْعُودٍ. ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «اصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي» [2] "
(1) - صحيح مسلم (1/ 69) 80 - (50)
[ش (ثم إنها تخلف) الضمير في إنها هو الذي يسميه النحويون ضمير القصة والشأن ومعنى تخلف تحدث وأما الخلوف فهو جمع خلف وهو الخالف بشر وأما بفتح اللام فهو الخالف بخير هذا هو الأشهر (فنزل بقناة) هكذا هو في بعض الأصول المحققة وهو غير مصروف للعلمية والتأنيث وقناة واد من أودية المدينة عليه مال من أموالها]
قلت: الحديث صحيح بلا ريب فلا يجوز رده
(2) - السنة لأبي بكر بن الخلال (1/ 142) (105)
قلت: الحديث صحيح فلا يجوز رده