فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 232

وعَنْ أُمِّ الْحُصَيْنِ، قَالَتْ: أَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَخْطُبُ بِمِنًى، قَدِ الْتَحَفَ بِثَوْبِهِ، وَإِنَّ عَضَلَةَ عَضُدِهِ تَرْتَجُّ، وَهُوَ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللهَ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ مُجَدَّعٌ، فَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا مَا أَقَامَ فِيكُمْ كِتَابَ اللهِ تَعَالَى» [1]

وعَنْ يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَدَّتِي، تُحَدِّثُ، أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَخْطُبُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهُوَ يَقُولُ: «وَلَوِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللهِ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا» [2] فاشترط السمع والطاعة عند إقامة الكتاب.

قال شيخ الإسلام: (فَالْكِتَابُ وَالْعَدْلُ مُتَلَازِمَانِ وَالْكِتَابُ هُوَ الْمُبَيِّنُ لِلشَّرْعِ؛ فَالشَّرْعُ هُوَ الْعَدْلُ وَالْعَدْلُ هُوَ الشَّرْعُ وَمَنْ حَكَمَ بِالْعَدْلِ فَقَدْ حَكَمَ بِالشَّرْعِ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَنْسُبُونَ مَا يَقُولُونَهُ إلَى الشَّرْعِ وَلَيْسَ مِنْ الشَّرْعِ؛ بَلْ يَقُولُونَ ذَلِكَ إمَّا جَهْلًا وَإِمَّا غَلَطًا وَإِمَّا عَمْدًا وَافْتِرَاءً وَهَذَا هُوَ الشَّرْعُ الْمُبَدَّلُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَصْحَابُهُ الْعُقُوبَةَ) [3]

لقد غابت المفاهيم التي تمثل مبادئ الخطاب السياسي الشرعي المترل، وشاع مفهوم: «تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ» [4]

(وإن أخذ مالك، وضرب ظهرك) ،أي بالحق بأن قضى بمالك لخصمك في حكومة قضائية، أو بتأويل، أو ضرب ظهرك في حد من حدود الله، أو في حق من حقوق الناس، ومما يرجح ذلك رواية ابن حبان لهذا الحديث، فعن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «يَا عُبَادَةَ» ،قُلْتُ: لَبَّيْكَ، قَالَ: «اسْمَعْ وَأَطِعْ فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، وَمَكْرَهِكَ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ، وَإِنْ أَكَلُوا مَالَكَ، وَضَرَبُوا ظَهْرَكَ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ مَعْصِيَةً لِلَّهِ بَوَاحًا» [5]

فقوله: (إلا أن تكون معصية) ،يدخل فيه بلا شك فيما إذ ا أكلوا ما له بالباط ل، أو ضربوه ظلما وعدوانا، فلا تجب طاعتهم، فلو أمروه أن يأخذ مال غيره ظلما أو يضربه ظلما لحرم عليه ذلك، فمن باب أولى حين يقع ذلك على نفسه. [6]

وحمّل هذا اللفظ ما لا يحتمل، بل صار بعد ذلك أصلا من أصول الاعتقاد بل هو السنة والإجماع، ومن خالفه رمي بالابتداع؟!!!

مع أن الحديث يمكن أن يحمل على وجوب الطاعة الإمام حتى لو أقام الإمام الحد على المسلم، أو قضى عليه لخصمه من ماله بالحق، ولا يكون ذريعة للخروج عليه، أو ترك طاعته فيما فيه طاعة لله ورسوله.

(1) - المهذب في فقه السياسة الشرعية (ص: 393) والمعجم الكبير للطبراني (25/ 156) (377) صحيح

(2) - صحيح مسلم (3/ 1468) 37 - (1838)

(3) - مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية- دار الوفاء (35/ 366)

(4) - صحيح مسلم (3/ 1476) 52 - (1847)

(5) - تهذيب صحيح ابن حبان (1 - 3) علي بن نايف الشحود (2/ 294) (4566) (صحيح)

(6) - المفصل في شرح السنن النبوية في الأحكام السياسية (ص: 373)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت