على هذا الأساس، قام ليساعد الاستعمار من الوجهة العلمية، وليمد جذوره في التربة العقلية كذلك. ومرة أخرى نسأل: ألا من للأقزام بمن يقنعهم أنهم ليسوا بعد إلا الأقزام!
وساعد الاستعمار على تشويه الفكرة الإسلامية عامل آخر! عامل لم يكن الاستعمار ليجد أفتك منه! ولا أفعل في تشويه الإسلام منه! أولئك الذين اصطلح الناس على تسميتهم رجال دين! من الأشياخ والدراويش، يمثلون جمود الفكر وضيق الأفق، أو يمثلون الخرافة والجهالة، ثم يصبغون ذلك كله بصبغة الدين، فيظهرونه بشعا شائها منفرا، ثم يرتكبون في سلوكهم الشخصي والاجتماعي جرائم وموبقات شائنة، فيذهبون بكرامة الدين وجديته واحترامه، وبخاصة حين يشترون بآيات الله ثمنا قليلا، فيناصرون الاستغلال والطغيان، باسم الإسلام، وباسم القرآن! [1] وبذلك تعاون التعليم الاستعماري القائم في وزارة المعارف بإشراف مصنوعات الاحتلال المشرفة على البرامج والنظم والمناهج والكتب، مع رجال الدين المزعومين، على أن يبلغ الاحتلال غايته، وأن يبلغ الاستعمار الروحي والفكري ذروته، حتى بعد ذهاب الاحتلال!
والاستعمار يقوم في وجه الحكم الإسلامي، لغرض معلوم ومفهوم، وهو منطقي مع نفسه، فما يعقل وهو يحارب الإسلام عقيدة مستكنة، أن يدع هذه العقيدة تستحيل شريعة، ويدع قوتها الروحية تستحيل قوة مادية، والمستعمرون لا يجهلون جهالتنا، ولا يغفلون غفلتنا عن دعوة القرآن القوية: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} . ولا يغيب عن أذهانهم أن الحكم الإسلامي سيرد جهاز الدولة كله إسلاميا: جهازها الاقتصادي والحربي، والتعليمي، كما سيصوغ المجتمع صياغة إسلامية، وليس أخطر من ذلك كله على الاستعمار الظاهر والخفي سواء. [2]
إن الدين ليس حرفة في الإسلام، إلا أن يكون اشتغالا بتعليم الناس، شأنه شأن أية مادة من مواد المعرفة الإنسانية الأخرى، أو قضاء في أحوالهم المختلفة، شأنه شأن أي تخصص في عمل الأعمال. وإن هؤلاء جميعا ليعرفون أن الإسلام يطارد الدجالين، الذين يجمعون حوله الترهات والخرافات، فالإسلام عقيدة بسيطة واضحة، لا تعتمد على المعجزات والكرامات والشفاعات والدعوات، إنما تعتمد على العقيدة المستقيمة، والسلوك النظيف، والعمل الصالح، والجد والإنتاج. ولو حكم الإسلام فسيكون أول عمل له أن يطارد المتبطلين الذين لا يعملون شيئا ويعيشون باسم الدين، والدجالين الذين يلبسون وضوح الإسلام بغموض الأساطير، ويستغفلون باسمه عقول الجماهير، والدراويش الذين لا يعرف لهم الإسلام مكانا في ساحته، ولا عملا في دولته، وهم في مصر كثير جد كثير.
(1) - وما أكثرهم اليوم في كل بلد يذودون عن الأنظمة الاستبدادية والمخططات الاستعمارية؟!
(2) - وقد نجح الاستعمار فقطع الطريق على الحركة الإسلامية في مصر، فأسقط الملكية وجاء بالثورة العسكرية؛ ليمنع من قيام حكومة إسلامية؟!