والمحترفون من رجال الدين يعرفون أن لهم وظيفة أساسية في المجتمعات الإقطاعية والرأسمالية، وظيفة ترزقهم الدولة عليها، وتيسر لهم مزاولتها والكسب منها في المجتمع ... ، تلك هي وظيفة التخدير والتغرير بالجماهير الكادحة العاملة المستغلة المحرومة، فأما حين يحكم الإسلام، فيعطي هذه الجماهير حقها، ويكف المستغلين والمستبدين عنها، ويحدد الثراء الفاحش الذي يؤذي بمجرد وجوده نفوس المحرومين الممنوعين ... ، حين يتم هذا فما وظيفة هؤلاء المحترفين في المجتمع؟!
وما مكانهم في الدولة؟ وما عملهم مع الجماهير؟!
إن حرفة الدين جزء من النظم الاجتماعية المختلة، وقطعة أصيلة من أجهزة الحكم فيها، فإذا صحت تلك الأوضاع، وسلمت تلك الأجهزة، فحرفة الدين تصبح بلا طلب ولا ضرورة؛ لأن الدين ذاته سيستحيل عملا وسلوكا، ونظاما ومجتمعا، ولا يظل أقوالا وشعائر، وتمتمة وتراتيل. وتلك حقيقة واضحة لا يدركها أولئك المحترفون بأفكارهم وعقولهم، فهم يدركونها بحسهم وفطرتهم، وهم مستنفعون مستغلون بدورهم، وهم يدركون أخطار الحكم الإسلامي، وأقل هذه الأخطار الاستغناء عن خدمتهم السلبية التي لا يعرفها الإسلام) [1] .
وقال رحمه الله:"إن الاحتكام إلى منهج اللّه في كتاب ليس نافلة ولا تطوعا ولا موضع اختيار، إنما هو الإيمان .. أو .. فلا إيمان .. «وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ» .. «ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ. إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ» .."
والأمر إذن جد .. إنه أمر العقيدة من أساسها .. ثم هو أمر سعادة هذه البشرية أو شقائها ..
إن هذه البشرية - وهي من صنع اللّه - لا تفتح مغاليق فطرتها إلا بمفاتيح من صنع اللّه ولا تعالج أمراضها وعللها إلا بالدواء الذي يخرج من يده - سبحانه - وقد جعل في منهجه وحده مفاتيح كل مغلق، وشفاء كل داء: «وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ» ..
«إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ» .. ولكن هذه البشرية لا تريد أن ترد القفل إلى صانعه، ولا أن تذهب بالمريض إلى مبدعه، ولا تسلك في أمر نفسها، وفي أمر إنسانيتها، وفي أمر سعادتها أو شقوتها .. ما تعودت أن تسلكه في أمر الأجهزة والآلات المادية الزهيدة التي تستخدمها في حاجاتها اليومية الصغيرة .. وهي تعلم أنها تستدعي لإصلاح الجهاز مهندس المصنع الذي صنع الجهاز. ولكنها لا تطبق هذه القاعدة على الإنسان نفسه، فترده إلى المصنع الذي منه خرج، ولا أن تستفتي المبدع الذي أنشأ هذا الجهاز العجيب، الجهاز الإنساني العظيم الكريم الدقيق اللطيف، الذي لا يعلم مساربه ومداخله إلا الذي أبدعه وأنشأه: «إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ. أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ؟» ..
(1) - معركة الإسلام والرأسمالية ص 98 -106