وفي سنة (589 هـ) توفي السلطان صلاح الدين الأيوبي، بعد أن قضى حياته في جهاد الصليبين، وتحرير أرض الإسلام؛ ولم يترك دينارا ولا درهما في خزائنه، بل أنفق ذلك كله في سبيل الجهاد، وحماية البيضة، وكان من العلماء الصلحاء، كثير التعظيم لشرائع الدين، والقيام بمصالح المسلمين.
وقد قسم أقاليم الدولة على أولاده كل واحد منهم يحكم بلدًا؟!
السلطان صلاح الدين يوسف بن الأمير نجم الدين، أبو المظفر الملك الناصر. ولد سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة. .. أمره نور الدين وبعثه مع عمه إلى مصر فقهر بني عبيد ومحا دولتهم. قال الذهبي: وَكَانَ خليقًا لِلإِمَارَة، مَهِيْبًا، شُجَاعًا حَازِمًا، مُجَاهِدًا كَثِيْر الغَزْو، عَالِي الهِمَّة، كَانَتْ دَوْلَته نَيِّفًا وَعِشْرِيْنَ سَنَةً. وَتَمَلَّكَ بَعْدَ نُوْر الدِّيْنِ، وَاتَسَعت بلاَده. وَمنذ تسلطَنَ، طَلّق الخَمْر وَاللَّذَات، وَأَنشَأَ سورًا عَلَى القَاهِرَة وَمِصْر، وَبَعَثَ أَخَاهُ شَمْس الدِّيْنِ فِي سَنَةِ ثمان وستين، فافتتح برقة، ثم افْتَتَحَ اليَمَن، وَسَارَ صَلاَح الدِّيْنِ، فَأَخَذَ دِمَشْق مِنِ ابْن نُوْر الدِّيْنِ. [1] . ومحاسن صلاح الدين جمة لاسيما الجهاد ومحافله آهلة بالفضلاء، ويؤثر سماع الأحاديث بالأسانيد، حليما مقيلا للعثرة تقيا نقيا وفيا صفيا. توفي بقلعة دمشق بعد الصبح من يوم الأربعاء في صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة. [2]
وَفِي"الرَّوْضَتين"لأَبِي شَامَة: أَنَّ السُّلْطَان لَمْ يُخلِّف فِي خزَانته مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّة إلَّا سَبْعَة وَأَرْبَعِيْنَ دِرْهَمًا، وَدِيْنَارًا صُوْرِيًّا، وَلَمْ يُخَلِّف مِلْكًا وَلاَ عقَارًا رَحِمَهُ الله، وَلَمْ يَخْتلف عَلَيْهِ فِي أَيَّامِهِ أَحَد مَنْ أَصْحَابِهِ، وَكَانَ النَّاسُ يَأْمنُوْنَ ظلمَه، وَيَرجُوْنَ رِفْدَه، وَأَكْثَرُ مَا كَانَ يَصِلُ عطَاؤُه إِلَى الشّجعَانِ، وَإِلَى العُلَمَاءِ، وَأَربَابِ البيوتَاتِ، وَلَمْ يَكُنْ لمبطلٍ وَلاَ لمزاح عنده نصيب.
قَالَ المُوَفَّق: وُجِدَ فِي خزَانته بَعْد مَوْته دِيْنَارٌ وَثَلاَثُوْنَ دِرْهَمًا، وَكَانَ إِذَا نَازل بَلَدًا، وَأَشرف عَلَى أَخذهِ، ثُمَّ طلبُوا مِنْهُ الأَمَان، آمنهُم، فِيتَأَلَّم لِذَلِكَ جَيْشه، لفوَات حظِّهم.
قَالَ القَاضِي بَهَاء الدِّيْنِ ابْن شَدَّاد: قَالَ لِي السُّلْطَان فِي بَعْضِ محَاورَاته فِي عقد الصُّلح: أَخَاف أَنْ أصَالِحَ، وَمَا أَدْرِي أَيش يَكُوْن مِنِّي، فِيقوَى هَذَا العَدُوّ، وَقَدْ بقيَتْ لَهُم بلاَدٌ، فِيخرجُوْنَ لاستعَادَة مَا فِي أَيدِي المُسْلِمِيْنَ، وَترَى كُلّ وَاحِد مِنْ هَؤُلاَءِ يَعْنِي أَخَاهُ وَأَولادَهم قَدْ قَعَدَ فِي رَأْس تَلِّهِ يَعْنِي قَلعته وَيَقُوْلُ: لاَ أَنْزِلُ، وَيهلك المُسْلِمُوْنَ.
قَالَ ابْنُ شَدَّادٍ: فَكَانَ -وَاللهِ- كَمَا قَالَ، اخْتلفُوا، وَاشْتَغَل كُلُّ وَاحِدٍ بِنَاحِيَتِه، وَبَعُدَ، فَكَانَ الصُّلحُ مصلحَةً.
(1) - سير أعلام النبلاء ط الحديث (15/ 411)
(2) - موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية (7/ 194)