فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 232

وَأَمَرَ الْقَاضِيَ أَنَّ كُلَّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ حَقٌّ بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ يُوَصَّلُ إِلَيْهِ بِلَا مُرَاجَعَةٍ، وَأَقَامَ فِي النَّظَرِ عَلَى الْأَمْوَالِ الْحَشْرِيَةِ رَجُلًا صَالِحًا، وَاسْتَخْلَصَ عَلَى الْقَضَاءِ الشَّيْخَ الْعَلَّامَةَ عِمَادَ الدِّينِ أَبَا صَالِحٍ نَصْرَ بْنَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ الْجِيلِيِّ، الْحَنْبَلِيَّ، فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ ثَامِنِ ذِي الْحِجَّةِ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ وَمِنْ خِيَارِ الْقُضَاةِ الْعَادِلِينَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ أَجْمَعِينَ - وَلَمَّا عُرِضَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ لَمْ يَقْبَلْهُ إِلَّا بِشَرْطِ أَنْ يُوَرِّثَ ذَوِي الْأَرْحَامِ، فَقَالَ: أَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَاتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَتَّقِ سِوَاهُ. وَكَانَ مِنْ عَادَةِ أَبِيهِ أَنْ يَرْفَعَ إِلَيْهِ حُرَّاسُ الدُّرُوبِ فِي كُلِّ صَبَاحٍ بِمَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي الْمَحَالِّ مِنَ الِاجْتِمَاعَاتِ الصَّالِحَةِ وَالطَّالِحَةِ، فَلَمَّا وَلِيَ الظَّاهِرُ أَمَرَ بِتَبْطِيلِ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَقَالَ: أَيُّ فَائِدَةٍ فِي كَشْفِ أَحْوَالِ النَّاسِ وَهَتْكِ أَسْتَارِهِمْ؟! فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ تَرْكَ ذَلِكَ يُفْسِدُ الرَّعِيَّةَ. فَقَالَ: نَحْنُ نَدْعُو اللَّهَ لَهُمْ أَنْ يُصْلِحَهُمْ.

وَأَطْلَقَ مَنْ كَانَ فِي السُّجُونِ مُعْتَقَلًا عَلَى الْأَمْوَالِ الدِّيوَانِيَّةِ وَرَدَّ عَلَيْهِمْ مَا كَانَ اسْتُخْرِجَ مِنْهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الْمَظَالِمِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْقَاضِي بِعَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ يُوَفِّي بِهَا دُيُونَ مَنْ فِي سُجُونِهِ مِنَ الْمَدِينِينَ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ وَفَاءً. وَفَرَّقَ فِي الْعُلَمَاءِ بَقِيَّةَ الْمِائَةِ أَلْفٍ. وَقَدْ لَامَهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ، فَقَالَ: إِنَّمَا فَتَحْتُ الدُّكَّانَ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَذَرُونِي أَعْمَلُ صَالِحًا وَأَفْعَلُ الْخَيْرَ، فَكَمْ مِقْدَارُ مَا بَقِيتُ أَعِيشُ؟ وَلَمْ تَزَلْ هَذِهِ سِيرَتُهُ حَتَّى تُوُفِّيَ فِي الْعَامِ الْآتِي كَمَا سَيَأْتِي.

وَرَخُصَتِ الْأَسْعَارُ فِي أَيَّامِهِ وَقَدْ كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ فِي غَايَةِ الشِّدَّةِ وَالْغَلَاءِ، حَتَّى إِنَّهُ فِيمَا حَكَى ابْنُ الْأَثِيرِ أُكِلَتِ الْكِلَابُ وَالسَّنَانِيرُ وَالْمَيْتَاتُ بِبِلَادِ الْجَزِيرَةِ وَالْمَوْصِلِ، فَزَالَ ذَلِكَ فِي أَيَّامِهِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَكَانَ هَذَا الْخَلِيفَةُ الظَّاهِرُ حَسَنَ الشَّكْلِ، مَلِيحَ الْوَجْهِ، أَبْيَضَ مُشْرَبًا حُمْرَةً، حُلْوَ الشَّمَائِلِ، شَدِيدَ الْقُوَى. [1]

وفي سنة (656 هـ) سقطت بغداد عاصمة الخلافة في يد التتار! قال ابن كثير رحمه الله:"فِيهَا أَخَذَتِ التَّتَارُ بَغْدَادَ وَقَتَلُوا أَكْثَرَ أَهْلِهَا حَتَّى الْخَلِيفَةَ، وَانْقَضَتْ دَوْلَةُ بَنِي الْعَبَّاسِ مِنْهَا."

اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَجُنُودُ التَّتَارِ قَدْ نَازَلَتْ بَغْدَادَ صُحْبَةَ الْأَمِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ عَلَى مُقَدِّمَةِ عَسَاكِرِ سُلْطَانِ التَّتَارِ هُولَاكُوقَانَ، وَجَاءَتْ إِلَيْهِمْ أَمْدَادُ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ يُسَاعِدُونَهُمْ عَلَى الْبَغَادِدَةِ وَمِيرَتُهُ وَهَدَايَاهُ وَتُحَفُهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ مِنَ التَّتَارِ، وَمُصَانَعَةً لَهُمْ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ سُتِرَتْ بَغْدَادُ، وَنُصِبَتْ فِيهَا الْمَجَانِيقُ وَالْعَرَّادَاتُ وَغَيْرُهَا مِنْ آلَاتِ الْمُمَانَعَةِ الَّتِي لَا تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى شَيْئًا، كَمَا وَرَدَ فِي الْأَثَرِ: (لَنْ يُغْنِيَ حَذَرٌ عَنْ قَدَرٍ) وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ} [نوح: 4] وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} [الرعد: 11] .

وَأَحَاطَ التَّتَارُ بِدَارِ الْخِلَافَةِ يَرْشُقُونَهَا بِالنُّشَّابِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، حَتَّى أُصِيبَتْ جَارِيَةٌ كَانَتْ تَلْعَبُ بَيْنَ يَدَيِ الْخَلِيفَةِ وَتُضْحِكُهُ، وَكَانَتْ مِنْ جُمْلَةِ الْحَظَايَا، وَكَانَتْ مُوَلَّدَةً تُسَمَّى عَرَفَةَ، جَاءَهَا

(1) - البداية والنهاية ط هجر (17/ 136)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت