رَافِضِيًّا كَانَ مُصَانِعًا لِلتَّتَارِ عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ يُقَالُ لَهُ: الْفَخْرُ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْكَنْجِيُّ. كَانَ خَبِيثَ الطَّوِيَّةِ مَشْرِقِيًّا مُمَالِئًا لَهُمْ عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، قَبَّحَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَتَلُوا جَمَاعَةً مِثْلَهُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ الْمُمَالِئَيْنِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 45] . [1]
وقال عن قطز ابن كثير:"وَذَلِكَ أَنَّ السُّلْطَانَ الْمَلِكَ الْمُظَفَّرَ قُطُزَ لَمَّا عَادَ بِالْعَسَاكِرِ قَاصِدًا الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ، فَوَصَلَ إِلَى مَا بَيْنَ الْغُرَابِيِّ وَالصَّالِحِيَّةِ، عَدَا عَلَيْهِ الْأُمَرَاءُ، فَقَتَلُوهُ هُنَالِكَ وَقَدْ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا، كَثِيرَ الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ، وَلَا يَتَعَاطَى الشَّرَابَ وَلَا شَيْئًا مِمَّا يَتَعَاطَاهُ الْمُلُوكُ، وَكَانَتْ مُدَّةُ مُلْكِهِ مِنْ حِينَ عَزَلَ ابْنَ أُسْتَاذِهِ الْمَنْصُورَ عَلِيَّ بْنَ الْمُعِزِّ التُّرْكُمَانِيَّ إِلَى هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَهِيَ أَوَاخِرُ ذِي الْقَعْدَةِ نَحْوًا مِنْ سَنَةٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَجَزَاهُ عَنِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ خَيْرًا. [2] "
وفي سنة (659 هـ) بويع بالقاهرة المستنصر بالله أحمد بن الخليفة الظاهر العباسي - وهو عم المستعصم المقتول ببغداد -خليفة على المسلمين، وقلد السلطنة للظاهر بيبرس وفوضه بالأمور، وبهذا انتقلت الخلافة للقاهرة بعد أن انقطعت ثلاث سنوات، وكان قد جاء مع جماعة فرارا من بغداد.
وفي سنة (676 هـ) توفي السلطان الظاهر بيبرس، وقد حكم سنة (658 هـ) وفتح الفتوح، واسترجع المدن التي كانت في أيدي الفرنج، وهزم التتار، وكان شجاعا أقامه الله في هذه الفترة ليذود عن حياض الإسلام والمسلمين، وكان لا يرى شيئا من المحرمات والمفاسد إلا أزاله، وكان حسن السيرة والسريرة، متقشفا مجاهدا مدة حكمه كلها.
ثم تتابعت بعده دولة المماليك بمصر والشام والخلافة للعباسيين.
وفي سنة (694 هـ) أسلم ملك التتار ببغداد قازان، ودخل أكثر أتباعه في لإسلام.
ثم استمر المماليك يحكمون مصر والشام، ويواجهون الفرنج وحملاتهم الصليبية، والمغول المسلمون يحكمون العراق والشرق، إلى أن قامت الخلافة العثمانية بدخول سليم الأول مصر، وتنازل الخليفة العباسي له عن الخلافة؛ لتقوم أول خلافة في غير قريش والعرب، واستطاع الخلفاء العثمانيون طوال أربعة قرون حماية الدولة الإسلامية من الأخطار الخارجية.
وكل ما سبق ذكره يؤكد بروز ظاهرة (المستبد العادل) في هذه المرحلة، التي تعد أحد أسباب استمرار الحضارة الإسلامية واستقرارها؛ كما كشف بطلان ما يشاع عن الخلفاء والملوك في هذه الفترة الطويلة من تاريخ الإسلام، إذ ثبت أن أكثرهم من أهل العلم والفضل والصلاح والعدل، لا كما يدعيه بعض الكتاب المعاصرين اليوم من أن التاريخ الإسلامي كله
(1) - البداية والنهاية ط هجر (17/ 399)
(2) - البداية والنهاية ط هجر (17/ 405)